التحقيقاتسلايدر

شهامة المصريين.. تتجلى فى أروع صورها

فى كارثة محطة مصر

إطفاء المحروقين.. مساعدة المصابين.. طوابير التبرع بالدم

تحقيق: سمر عادل

الحادث بشع، والمصاب جلل، والكلمات لو اجتمعت لن تنجح في وصف حجم المأساة التي عاشتها مصر بعد حادث محطة رمسيس، ورغم ذلك في نهاية النفق المظلم ظهرت “نقطة ضوء وشهامة” تثبت أن هذا الشعب مهما واجه من مآس لن ينكسر، حيث ظهرت الكثير من النماذج الإيجابية التي تجسِّد روح التكاتف والتلاحم التي يتمتع بها المصري الحق، نرصدها في السطور التالية، حيث أبرز المشاهد وتحليل هذه الصورة الإيجابية التي نجحت في الظهور وسط مرار وفجيعة الواقعة.

تناقلت صحف ووسائل إعلام مصرية قصة بطولية لاثنين من العاملين بخدمات القطارات أبرزتهما كاميرات المراقبة وهما يحاولان إنقاذ المصابين في حادث حريق قطار محطة رمسيس بالقاهرة.

قال وليد مرضي- وهو عامل بالشركة الوطنية لخدمات ركاب قطارات النوم-: “النار كانت بتشويهم ومفكرتش غير إني أطفيهم”.

نفس النهج تبناه زميله محمد عبدالرحمن، حيث قاما  بصب الماء على أجساد الناس المشتعلة محاولين إخمادها ونجحا في إنقاذ أكثر من عشرة أشخاص.

ثاني أبرز المشاهد الإيجابية هي انطلاق حملات التبرع بالدم لإنقاذ مصابي الحادث سواء على المستوى الفردي بتوجه المواطنين لأقرب المستشفيات لهم للتبرع أو على المستوى المؤسسي مثلما فعل أبناء وطلاب الأزهر الشريف بتوجيه من فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب- شيخ الأزهر- بضرورة التكاتف مع المصابين وذويهم.

هذا على المستوى المرئي الذي رصدته وسائل الإعلام وكاميرات المراقبة بموقع الحادث، لكن من ناحية أخرى هناك الكثير من الجهود الفردية التي حرص الكثيرون على التفاعل مع المصاب الأليم من خلالها فمثلا: قام بعض نشطاء مواقع التواصل بنشر صور بطاقات الرقم القومي لضحايا ومصابين عثر عليهم أثناء الحادث ولم يستدل على هوياتهم سعيا للوصول إلى أسرهم، كما تبنى أشخاص حملات لقراءة وختم القرآن الكريم على أرواح شهداء الحادث معتبرين هذا الأمر أفضل هدية يمكن أن تقدم لهم الآن.

تكريم الشهامة

يؤكد د. فتحي الشرقاوي- نائب رئيس جامعة عين شمس- أن الإيجابية التي صدرت من كثير من المواطنين هي سمة طبيعية تسمى في الدراسات الإنسانية “سلوك المساعدة” وتثبت الدراسات أن من يلجأ إلى مساعدة غيره في مثل هذه الظروف هو شخص قوي يتميز بثقة كبيرة في نفسه ولا يخاف، بل لديه استعداد أن يلقى نفس مصير الأشخاص الذين يساعدهم، ففي حادث قطار رمسيس مثلا أي مواطن بادر بمساعدة المصابين والضحايا كان على علم تام بأن النيران يمكن أن تمسك به لكنه لم يتردد في المساعدة، لذلك فهو يتميز بالشخصية الإيجابية الإقدامية وليست الإحجامية.

وأكد أن التحركات الإيجابية التي صدرت من بعض المواطنين في الحادث لا تستدعي التهويل أو المبالغة أو التهوين منها بحجة أنه في أي مكان في العالم مثل فرنسا وألمانيا وغيرها عندما تقع حوادث مشابهة يبادر المواطنون بمساعدة بعضهم البعض، ولكن هذه الخاصية أكبر لدي الشعوب العربية والإسلامية انطلاقا من تعاليم الأديان التي تحث علي ضرورة إغاثة الملهوف ومساعدة من يعاني من أي ضائقة أو أزمة سواء كانت كبيرة أو صغيرة والثواب من الله يكون علي قدر المشقة والمخاطرة.

يضيف: سلوك المصريين في هذا الحادث يمكن أن نترجمه وفقا لاتجاهاتهم السياسية، فمن يحب البلد والمؤيد للنظام بادر بالمساعدة وتقديم يد العون بصرف النظر عن الإبراز الإعلامي لما فعله لأنه فعل ذلك تلبية لنداء المصاب الذي يطلب المعونة أو أنه رأي بعينه المشهد كاملا فتحرك بشهامته وشجاعته الفردية للمساعدة وتقديم العون دون انتظار لكلمة شكر أو تقدير من أحد، أما الكاره والساخط على الأداء فتعامل مع الحادث من زاوية مختلفة تماما وترك المكان ولم يساعد بل إن بعضهم شمت لأن في نفسه مرض.

مطلوب التكريم

ويطالب د. الشرقاوي، المسئولين ووسائل الإعلام بضرورة الاحتفاء بالمواطنين الإيجابيين الذين ساهموا في إنقاذ ضحايا الحادث بتسليط الضوء عليهم وتكريمهم على مستوى رفيع حتى يكونوا نموذجا يحتذى ،ففي فرنسا مثلا قام أحد المهاجرين الأفارقة بإنقاذ طفل كاد يسقط من مكان مرتفع حيث قام الأفريقي بتسلق العمارة وإنقاذ الطفل، فقام رئيس الوزراء الفرنسي بمقابلة هذا الأفريقي وتكريمه حيث منحه الجنسية الفرنسية كما وفر له وظيفة.

وعي شديد

تؤكد د. منى الحديدي- عميد الأكاديمية الدولية لعلوم الإعلام الأسبق- أن ما بدر من المواطنين في الحادث هو إحساس إيجابي تمثل في المسارعة بالتبرع بالدم والاستجابة بإخلاء المكان لكي تقوم الأجهزة المعنية بدورها، وكذلك من قدموا العون لأقارب الضحايا الذين تدافعوا على المحطة للاطمئنان على ذويهم وقاموا بتهدئتهم، فكل هذه مظاهر إيجابية جدا تنم عن درجة عالية من الإحساس والوعي التي ندعو دائما لتوافرها بين المصريين بشرط ألا تعوق أداء الجهات المعنية، فلا يجوز مثلا أن نعرقل وصول سيارات الإسعاف إلى المصابين بسبب الازدحام داخل المحطة.

ورفضت د. الحديدي، اتهام الإعلام بالتقصير في الاحتفاء بالنماذج الإيجابية في الحادث وقالت: هذا ادعاء غير صحيح ؛ فكثير من البرامج استضافت هؤلاء المواطنين واحتفت بهم، وما أعيبه على الإعلام فقط هو نشر الصور التي تتضمن إثارة لمشاعر أسر الضحايا، فيكفيهم المصاب الأليم الذي وقع لهم، وينبغي أن نكون أكثر رفقا بهم وخاصة أن المشاهد مروعة ولا يستطيع الكثيرون تحمل النظر إليها ولنضع أنفسنا مكان أسر هؤلاء الضحايا الممزقين نفسيا ولهذا: رفقا بهم، وبالأطفال وغيرهم من الفئات التي لا تستطيع تحمل مشاهد الحرق.

تعاون محمود

وثمَّن الشيخ إبراهيم همام- رئيس الإدارة المركزية لمنطقة الفيوم الأزهرية- روح التعاون التي أبدتها فئات الشعب المختلفة مع مصابي الحادث الأليم وهذه الإيجابية التي شاهدناها تنطلق من قول الله تعالى: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” كما أن الإسلام أمر بإغاثة الملهوف لأن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ولم تقتصر عقوبة من يتصف بالشهامة في نجدة أخيه علي الجزاء الدنيوي فقط بل يمتد إلي الآخرة حيث قال صلى الله عليه وسلم: “من فرَّج عن مسلم كُربة من كُرب الدنيا فرَّج الله عنه كُربة من كُرب يوم القيامة” فهنيئا لهذه النماذج المضيئة من شبابنا الشهم الذين يعبرون بحق عن شهامة المصريين الحقيقيين.

يضيف الشيخ همام: هناك الكثير من المشاهد التي تؤكد سمو أخلاق هذا الشعب بكافة أطيافه أبرزها انطلاق حملات التبرع بالدم بالمستشفيات والتي شارك فيها أبناء الأزهر الشريف وكل أبناء الشعب المصري- مسلموه ومسيحيوه- في مشهد يؤكد أصالة وإنسانية هذا الشعب، كما أن سيارات الإسعاف التي لم تتأخر لحظة واحدة في نقل المصابين إلى المستشفيات ورفع الجثامين من موقع الحادث في أسرع وقت ممكن، وهؤلاء الذين يتصفون بالشهامة ثوابهم عظيم عند الله ويجب كذلك أن يكرموا من المسئولين ليكونوا قدوة لغيرهم من الشباب المصري بدلا من حملات التشويه المتعمد لهذا الشباب بإبراز النماذج السيئة فقط منه بهدف قتل الأمل في النفوس بأن المستقبل أفضل وهذا نوع من الحرب النفسية التي يجب إفسادها بتقديم البدائل الايجابية.

وأبدى الشيخ همام، إعجابه الشديد بالجهود الفردية من المواطنين في إطفاء من اشتعلت فيهم النيران، سواء عن طريق جراكن المياه أو بخلع ملابسهم لاستخدامها كأداة للإطفاء، كما أن تحرك المسئولين بجميع المرافق والمؤسسات لمتابعة الحادث الأليم على أرض الواقع وبحث ما يمكن تقديمه من أوجه المساعدة وتقديمهم مبالغ مالية تقدر بعشرات من آلاف الجنيهات لأسر الضحايا والمصابين لإعانتهم.

وفي نهاية كلامه قال الشيخ همام: نحن نرفع أكف الضراعة أن يتغمد الله ضحايا الحادث بواسع رحمته فهم شهداء عند ربهم مثلما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم، كما نتمنى الشفاء العاجل للمصابين لأن الشهيد ليس فقط من قُتل في الحرب مع الاعداء فقط بل هناك أنواع أخرى من الشهداء منهم الحريق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق