بقلم دكتورة حنان شبانة
الأستاذ المساعد بجامعة تبوك سابقآ
الإعاقة جزء لا يتجزأ من التنوع البشري، وهي حالة قد تصيب أي شخص في أي مرحلة من حياته بسبب عوامل مختلفة. وكما يقال:” العجز ليس ما يحدث للإنسان، بل ما يفعله الإنسان”. هذه العبارة تبرز التحديات الإضافية التي يواجهها ذوو الإعاقة أو نقول كما أطلق عليهم مؤخرا ( قادرون باختلاف) دائما، وتدعونا إلى أهمية تعزيز التضامن والتفهم، والتقدير العميق لإرادتهم وقدراتهم.
قال الله تعالى:وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ (الإسراء: 70)، مما يؤكد على قيمة الإنسان، وكرامته بغض النظر عن حالته الصحية. كما قال الرسول (صلى الله عليه وسلم):” إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا”.(رواه البخاري ومسلم)، مشيرا إلى واجب التكاتف والتعاضد بين أفراد المجتمع.
في هذا المقال، سنقدم نظرة شاملة على أنواع الإعاقة المختلفة، بدءا من الإعاقات الجسدية، والعقلية ووصولا إلى السمعية، والبصرية، والنفسية، والأكاديمية. سنتناول تأثير هذه الإعاقات على حياة الأفراد وأهمية دور المجتمع في دعمهم وتمكينهم. كذلك، سنسلط الضوء على العوامل المؤدية إلى الإعاقة، سواء كانت وراثية، أو بيئية، أو ناتجة عن حوادث.
هل تساءلت يوما كيف يمكن لحادث بسيط، أو مرض وراثي أن يغير حياة شخص بالكامل؟ وكيف يمكن أن تكون الإعاقة نتيجة لعوامل خارجة عن السيطرة؟ ففهم هذه الجوانب بعمق يمكن أن يغير من طرق تعاملنا مع ذوي الاحتياجات الخاصة ( قادرون باختلاف) ، ويدفعنا نحو بناء مجتمع أكثر شمولا وتفهما.
ندعوكم للانضمام إلينا في هذه الرحلة لاستكشاف طرق دعم ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة ( قادرون باختلاف)، وتعزيز دورهم في المجتمع. لنعمل معا من أجل إحداث تغيير إيجابي، وبناء مستقبل يسوده العدل والاحترام لجميع الأفراد، بغض النظر عن قدراتهم، أو التحديات التي يواجهونها.
عند تبني هذا النهج المتكامل، تتجلى العديد من الفوائد التي تبرز أهمية دمج ودعم الأفراد ذوي الاحتياجات الخاصة ( قادرون باختلاف). وبفهمنا لمفهوم الإعاقة، يمكننا تصنيفها إلى ستة أنواع رئيسة.
أولها الإعاقة الجسمية، التي تشمل الإعاقات التي تؤثر على الحركة، أو الأداء البدني العام، مثل: شلل الأطفال والبتر، وهذه الحالات تتطلب مساعدة طبية وتأهيلية مستمرة لتحسين جودة حياة المصابين. إلى جانب الإعاقة الجسمية، تعني الإعاقة العقلية أيضا الصعوبات في العمليات النفسية الأساسية مثل: الفهم واستخدام اللغة، والتفكير، والكتابة، والحساب. يحتاج الأطفال الذين يعانون من هذه الإعاقات إلى برامج تعليمية خاصة، ودعم مستمر من الأسرة والمجتمع.
ننتقل إلى الإعاقة السمعية، وهي تتراوح من ضعف السمع البسيط إلى الصمم الكامل، مما يعيق قدرة الفرد على التواصل بشكل طبيعي، وتتطلب استخدام وسائل مساعدة سمعية أو تقنيات تواصل بديلة. بالإضافة إلى ذلك، هناك الإعاقة النفسية، الناتجة عن اضطرابات نفسية تؤثر على سلوك الفرد وتفكيره، حيث يكون العلاج النفسي والدعم الاجتماعي أساسا في مساعدة هؤلاء الأفراد على العيش بسلام واستقرار.
الإعاقة البصرية تأتي خامساً، وتشمل: فقدان البصر الكامل أو الجزئي. ويعمد الأشخاص الذين يعانون منها إلى استخدام طرق بديلة مثل: برايل للقراءة والكتابة، بالإضافة إلى أدوات تسهل عليهم الحركة، والتنقل. وأخيراً، تتعلق الإعاقة الأكاديمية بصعوبات التعلم التي تؤثر على التحصيل الدراسي، وتستلزم استراتيجيات تعليمية متخصصة لدعم هؤلاء الطلاب.
وتتداخل العديد من العوامل لتسبب الإعاقة، ويمكن تصنيفها إلى فئات رئيسة. فتلعب العوامل البيئية دورا كبيرا، حيث تبدأ أثناء الحمل عندما تصاب الأم بأمراض أو فيروسات تؤدي إلى تشوهات خلقية في الجنين، وتمتد إلى صعوبات الولادة، ونقص الأكسجين الذي قد يؤدي إلى تلف دماغي، ثم ما بعد الولادة مثل: الأمراض، والإهمال في التطعيمات، والحوادث، التي كلها يمكن أن تؤدي إلى الإعاقة. والعوامل الوراثية تأتي كذلك كسبب رئيسي، حيث تنتقل من جيل إلى جيل، وتسبب العديد من الحالات الوراثية التي تؤدي إلى الإعاقة. كما أن الحوادث، سواء كانت منزلية، أو طرقية، أو في العمل، يمكن أن تسبب إعاقات دائمة. لا يمكننا أن نغفل الاعتداءات الجسدية في النزاعات، أو الحروب التي قد تؤدي إلى إعاقات دائمة، بالإضافة إلى العوامل التكنولوجية، حيث إن الاستخدام السيئ للاختراعات العلمية يمكن أن يؤدي إلى إصابات تؤثر على الجسم والعقل، والنشاطات الرياضية أيضا قد تسبب إصابات شديدة تؤدي إلى إعاقات مختلفة.
في نهاية هذا المقال، نستوعب أن التحديات التي يواجهها الأشخاص ذوو الاحتياجات الخاصة ( قادرون باختلاف) تتجاوز كونها مجرد صعوبات فردية، بل هي دعوة لنا جميعا لتحقيق تغيير عميق يمكنهم من الحياة بكرامة واحترام. فالإعاقة لا تعني نهاية الطريق، بل هي بداية لمسار جديد مفعم بفرص النمو والتطور. يتعين علينا جميعا المشاركة في هذا التغيير عبر تعزيز الوعي، والدعم المجتمعي، وإزالة الحواجز التي تعيق قبول وتفهم الآخرين.
قال الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً (الشرح: 5)، مما يؤكد أن مع الصعوبات يأتي التيسير. وكما قال النبي محمد (صلى الله عليه وسلم):” ترى المؤمنين: في تراحمهم، وتوادهم، وتعاطفهم ،كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو، تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى”. (رواه الإمام البخاري)، مشددا على أهمية التضامن والتكاتف بين أفراد المجتمع.
لنعمل – سويا – على بناء مجتمع يحتضن الجميع، بغض النظر عن قدراتهم أو تحدياتهم، ويعتمد على مبادئ الإنسانية والشمولية. علينا تحويل كلماتنا إلى أفعال، وجعل خطواتنا الصغيرة بداية لتغيير كبير. كل جهد نبذله، وكل فكرة نطرحها، وكل مبادرة ندعمها، يمكن أن تحدث فرقا كبيرا في حياة الآخرين، فالقوة الحقيقية تنبع من الإرادة التي لا تُقهر، وليس من القوة الجسدية.
كل منا قادر على أن يكون الدافع للتغيير الذي نريد رؤيته في العالم. لنسعَ جميعا لجعل العالم مكانا أفضل وأكثر شمولية للجميع. لنواجه الصعوبات ونحتفي بالاختلافات، ونعمل معا لبناء مجتمع أكثر تفهما وإنسانية.
هل نحن مستعدون لمواجهة هذه التحديات وتحويلها إلى فرص للنمو والتطور؟ كيف يمكن لكل منا أن يسهم في بناء مجتمع أكثر شمولية وتفاهم؟ الإجابة تكمن في أفعالنا، والتزامنا، ورغبتنا الصادقة في إحداث تغيير إيجابي. لنسع نحو مستقبل يعمه العدل والاحترام لكل فرد.