رسالة فاس: مصطفى ياسين
تشتهر بلاد المغرب الأقصى بغناها بالمدن العريقة ذات البعد التاريخي والحضاري الكبير، ومنها مدينة فاس العاصمة الدينية والروحية والعلمية للمغرب، ذات المساجد والجامعات والمدارس والأسواق والقصور والبروج القديمة التي تتميَّز بتاريخها العريق وعمارتها الفريدة وزخارفها الجميلة، وتُشكِّل فاس جزءًا أساسيًّا من التراث المغربي والعربي والإسلامي؛ فهي مقصد للسُّيَّاح العرب والأجانب، حيث تتوزَّع فاس على مدينتين واحدة قديمة، وأخرى حديثة، فتمْزُج بين الماضي العريق، والحداثة المعاصرة.
وقد قام وفد صحفي مصري مؤخَّراً بجولة استكشافية للتعرُّف على معالم المدينة، فكان هذا التقرير المصوَّر بالكلمة والصورة.
جامع وجامعة القرويين
في بداية الجولة التقينا الشيخ عبدالمجيد المرضي، شيخ جامع القرويين، الذي قال: في مقدمة هذه المعالم جامع القرويين وقد بُنِيَ عام (245هـ=859م) على يد أُمِّ البنين فاطمة الفهرية القيروانية، التي يُقال إنَّها وهبت كلَّ ما ورثته لبناء الجامع، قبل أن يعمل أهل المدينة وحكَّام المغرب -على مدى التاريخ- على توسيع المسجد وترميمه والقيام بشئونه؛ حيث كان أهل المدينة وحكّامها يقومون بتوسعة المسجد وترميمه والقيام بشئونه، وأضاف الأمراء الزناتيون بمساعدة من أمويي الأندلس حوالي 3 آلاف متر مربع إلى المسجد، وقام بعدهم المرابطون بإجراء توسعة أخرى، وتُعدُّ صومعة المسجد المربَّعة الواسعة أقدم منارة مربَّعة في بلاد المغرب العربي، وهي لا تزال في المسجد قائمةً إلى الآن من يوم توسعة الأمراء الزناتيين عمَّال عبدالرحمن الناصر على المدينة.
كما شَيَّدت شقيقتها مريم الفهرى جامع “الأندلس” بنفس المدينة، وهما ابنتا تاجر ثرى اسمه محمد الفهرى عام 245هـ الموافق 859 م.
كما تُعتبر جامعة القرويين -التي بُنيت كمؤسَّسةٍ تعليميَّةٍ تابعةٍ لجامع القرويِّين- أقدم جامعة في العالم، وقد تخرَّج فيها ودرَّس بها الكثير من العلماء والمفكِّرين، أمثال موسى بن ميمون، وابن البناء المراكشي، وابن عربي، وابن رشد، وزارها الشريف الإدريسي ومكث فيها مدَّة، كما زارها ابن زهر مرَّات عديدة، ودوَّن النحوي ابن آجروم كتابه المعروف في النحو فيها، ولسان الدين بن الخطيب الذي ما زال البيت الذي أقام فيه شاهدًا على العصر الذهبي للحاضرة، وفضلًا عن العرب والمسلمين، تخرَّج من جامعة القرويين البابا سيلفستر الثاني (غربيرت دورياك الذي شغل منصب البابا من عام 999 إلى 1003م، ويُنسب إليه فضل إدخال الأرقام العربية إلى أوربا).
ولذلك اشتهرت فاس كعاصمةٍ علميَّةٍ وروحيَّةٍ للمغرب، وشكَّلت -على مدى تاريخها- مركزًا دينيًّا وعلميًّا في شمال وغرب إفريقيا، وتواصل إشعاع جامع وجامعة القرويين الى منتصف القرن العشرين، قبل أن ينحسر الاهتمام بنظام التعليم العتيق بتشييد المؤسسات التعليمية الحديثة منذ دخول الاستعمار الفرنسي.
مدارس فاس
وحول القرويين- يضيف الشيخ عبدالمجيد المرضي-: زخرت المدينة العتيقة، خصوصًا في عهد المرينيين (القرن 8هـ =14م)، بعددٍ من المدارس التقليدية التي تعكس اليوم العبقرية العمرانية لحرفيي المدينة، ومن أهمها المدرسة المصباحية (أبو الحسن المريني)، والمدرسة البوعنانية (أبو عنان)، وقبلهما مدرسة الصفارين التي يعود تأسيسها إلى عهد أبو يوسف المريني عام (679هـ=1280م)، وكانت هذه المدارس بمثابة مؤسَّسات تأهيليَّة تسمح للطالب بالانتقال إلى دراسات عليا بجامعة القرويين.
وظائف مدينة فاس
ومازالت فاس تُمارس وظائفها الدينية والسياسية، بوصفها عاصمة الفقه والعلم، ومن فقهائها أبو عمر عمران الفاسي، والإمام أبو العباس التيجاني، وقد أعانت جامعة القرويين على أن تبقى فاس مركز الإشعاع الشرعي والفكري والثقافي والفني والحضاري حتى عهد الاستعمار الفرنسي، وقد أُقيمت فيها جامعة عصرية، وفيها مدارس شهيرة مثل مدرسة الصفارين والمصباحية، كما تتنوع فيها الفعاليات الاقتصادية؛ فلها تقليد تجاري عريق، ونشاط زراعي، وتحتل مكانة مهمَّة على الصعيد الصناعي الحرفي والحديث، وأغلب سكانها من الحرفيين والصناعيين، ولها شهرة سياحية مميَّزة.
وقد قام المرابطون بإجراء إضافات على المسجد فغيَّروا من شكله الذى كان يتَّسم بالبساطة فى عمارته وزخرفته وبنائه إلا أنهم حافظوا على ملامحه العامة.
وأبرز ما تركه المرابطون فى المسجد هو المنبر الذى لا يزال قائما إلى اليوم، وبعد المرابطين قام الموحِّدون بوضع الثُرَيَّا الكبرى والتى تزيِّن المسجد إلى اليوم.
يشير الشيخ عبدالمجيد المرضي، إلى أن لمسجد القرويين 17 بابا وجناحان يلتقيان فى طرفى الصحن الذى يتوسَّط المسجد، كل جناح يحتوى على مكان للوضوء من المرمر.
كان الهدف الأول هو بناء الجامع يقتصر على العبادة، لكنه تطوَّر بفضل عناية الدول المتعاقبة على حكم المغرب ليصبح معهدا علميا يوفِّر تعليما فى مجالات عديدة من طب وفلسفة وعلوم طبيعية وفلك وغيرها.
أقدم مؤسسة
يضيف الشيخ المرضي، قائلا: تعتبر جامعة القرويين، وفقًا لليونسكو وبناءً على تصنيفات كتاب غينيس للأرقام القياسية، أقدم مؤسسة تعليم عال وأول جامعة تمنح إجازة فى الطب فى العالم وهى ما زالت تُدرِّس حتى الآن دون انقطاع، ويشير إليها المؤرِّخون بأنها أقدم جامعة فى العالم.
تمّت توسعة الجامع عدَّة مرات، حيث كانت مساحته عند بنائه أول مرة أربع بلاطات وصحن صغير، وكان طوله من جهة الغرب إلى جهة الشرق 150 شبراً.
ثم تم زيادة فى المسجدين المقامين عليهما زيادة كبيرة، ونقلوا الخطبة من جامع الشرفاء إلى جامع القرويين.
كما تم إصلاح الجامع والزيادة فيه، وإزالة صومعته القديمة لتُوْضَع مكانها الصومعة الموجودة حالياً.
عهد الأدارسة
يضيف الشيخ عبدالمجيد المرضي: شُيّد الجامع فى عهد الأدارسة الذين أسسوا دولتهم فى المغرب العربى واستقلوا بها ثم اتخذوا مدينة فاس عاصمة لهم، وكان ذلك فى الأول من شهر رمضان المبارك لسنة 245 هـ، الموافق عام 859 م.
وبعد ذلك صار جامعة يدرّس فيها أنواع العلوم المختلفة من طب وفلك وهندسة وميقات وغير ذلك.
يعد مسجداً كبيراً، له باب كبير بنيت بالقرب منه سقاية يأتيها الماء من عين فى جهة الوادى، ويكون ماؤها بارداً فى أيام الحرارة المرتفعة، وشىء من الدفء والحرارة فى الأيام الباردة.
كما توجد مياه جارية، وفوارة بيلة، ومن جهة الغرب باب كبير يسمى باب النجارين.
يعد الجامع قِبْلَةً لطلاب العلم والعلماء من كل مكان، إذ يعتبر مركز إشعاع للعلوم فى المجالات المختلفة.
تعتبر جامعة إسلامية فى المغرب العربى، مثل الأزهر الشريف وظل محراباً للعلم لمدة 11 قرناً، مما يجعله أقدم جامعة إسلامية.
تحتوى مكتبة جامع القرويين على مجموعة من نوادر المخطوطات، إلا أنها ضاعت ولم يتبقى منها إلا 1613 مخطوطة.
تاريخ الإنشاء
يلتقط خيط الحديث د. عادل بن جاهد- رئيس اتحاد المؤرِّخين الأفارقة- قائلا: تقع مدينة فاس في أقصى شمال شرق المملكة المغربية، وهي ثالث أكبر مدن المغرب بعد الدار البيضاء والعاصمة الرباط، وهي واحدة من المدن الأربعة العتيقة بالمغرب الأقصى التي تشمل مراكش، الرباط، مكناس، وفاس.
يعود تاريخ مدينة فاس إلى القرن الثاني الهجري، عندما قام إدريس بن عبدالله الأول مؤسِّس دولة الإدريسية عام (172هـ=789م) ببناء مدينة على الضفة اليمنى لنهر فاس، في بقعةٍ كان يرحل إليها قبائل زناتة (زواغة وبني يازغة)، ووفد إليها عشرات العائلات العربية من القرويين ليُقيموا أول الأحياء في المدينة، الذي عرف باسم “عدوة القرويين”، كما وفد إليها الأندلسيون الذين أُرغموا على الهجرة من الأندلس ليُكوِّنوا حي “عدوة الأندلسيين”، وكان هناك حيٌّ خاصٌّ لليهود وهو حيُّ الملاح.
بعد وفاة إدريس الأول بعشرين سنة أسَّس ابنه إدريس الثاني المدينة الثانية على الضفة اليسرى من النهر، وقد تعاظم دور مدينة فاس أيام إدريس الثاني وجعلها عاصمة لدولته، وقد ظلت المدينة مقسَّمة هكذا إلى أن دخلها المرابطون فأمر يوسف بن تاشفين بتوحيدهما وجعلهما مدينة واحدة، فصارت القاعدة الحربيَّة الرئيسة في شمال المغرب للدول المتتالية التي حكمت المنطقة، بالإضافة إلى كونها مركزًا دينيًّا وعلميًّا في شمال إفريقيا، وأُسِّست فيها جامعة القرويين عام (245هـ=859م) التي كانت مقصد الطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي وأوربا، وجامعة القرويين هي أقدم جامعة في العالم.
وذكر ابن غالب في تاريخه أنَّ الإمام إدريس الثاني لما فرغ من بناء مدينة فاس وحضرت الجمعة الأولى، صعد المنبر وخطب الناس ثم رفع يديه في آخر الخطبة فقال: “اللهم إنك تعلم أنِّي ما أردت ببناء هذه المدينة مباهاة ولا مفاخرة ولا رياء ولا سمعة ولا مكابرة؛ وإنَّما أردت أن تُعبد بها ويُتلى بها كتابك، وتُقام بها حدودك وشرائع دينك وسنة نبيِّك محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ما بقيت الدنيا، اللهمَّ وفِّق سكانها وقطَّانها للخير وأعنهم عليه، واكفهم مؤنة أعدائهم، وأدر عليهم الأرزاق، وأغمد عنهم سيف الفتنة والشقاق، إنَّك على كلٍّ شيءٍ قدير”. فأمَّن الناس على دعائه، فكثرت الخيرات بالمدينة وظهرت بها البركات.
ثلاثة أقسام
يضيف د. عادل بن جاهد: وتنقسم مدينة فاس إلى ثلاثة أقسام: فاس البالي وهي المدينة القديمة، وفاس الجديد وقد بُنيت في القرن (السابع الهجري=الثالث عشر الميلادي)، خلال فترة حكم أسرة المرينيين، ما بين (677هـ=1269م)، وهو تاريخ إطاحتهم بأسرة الموحدين، و(870هـ=1465م)، وهو التاريخ الذي أطاح بهم فيه الوطاسيون، ثم المدينة الجديدة التي بناها الفرنسيون إبَّان فترة الاستعمار، الذي بقي في المغرب في الفترة ما بين 1912 و1956م، ويُعتبر عهد المرينيين أزهى مراحل تطور مدينة فاس؛ إذ قاموا ببناء فاس الجديدة، وتحصين المدينة بسور وتخصيصها بمسجدٍ كبيرٍ، وأحياء سكنية، وقصور، ومدارس، ومارستانات، وحدائق.
تراث إنساني عالمي
يتدخل المؤرِّخ د. محمد ناصر صدِّيقي، قائلا: تتميَّز فاس بمعالمها الأثرية التي تُؤرِّخ لتاريخها وحضارتها، من أهمها الأسوار والأبواب بأقواسها ونقوشها، وداخل الأسوار تتميز المدينة القديمة بوجود بنايات أصيلة ومستشفيات ومساجد وزوايا ومدارس، تعكس تطوُّر تقنيَّات البناء، ومهارات الصنَّاع التقليديين والبنائين على مدى أكثر من 12 قرنًا من تاريخ المدينة، وهي جميعًا أمكنة تستهوي الزوار والسياح، والمثير في مدينتها العتيقة أنَّ عرض الأزقة فيها لا يتجاوز المتر ونصف المتر. وقد اختيرت مدينة فاس كأحد مواقع التراث العالمي من قِبَل اليونسكو عام 1981م، حيث احتفلت المدينة سنة 2008م بعيد ميلادها الـ1200، ومع مرور 12 قرنًا فقد ظلَّت فاس محتفظة بموقع القلب النابض للحياة السياسية والثقافية للمغرب، وتكشف التفاعلات السكانية والحضارية التي صاحبت بناءها عام (172هـ=789م) سر هذا العمق الحضاري المتواصل.
المعالم الحضارية
يضيف د. صدِّيقي قائلا: لم يتفق المغاربة على وَسْمِ مدينة فاس بعاصمتهم الروحية والعلميَّة عبثًا؛ فـ”فاس” العتيقة تزخر بعشرات المساجد والمدارس العتيقة التي جعلتها مركزًا علميًّا مزدهرًا، تطوَّرت في حضنه مختلف العلوم الفقهية والفكرية والطبيعية وغيرها.