د. أحمد عبدالهادي: الصيام مدرسة تربوية.. والعبادات مقرونة بالأخلاق
د. حاتم أمين: سارعوا إلى التحلي بمكارم الأخلاق الرمضانية
أدار الندوة- جمال سالم:
متابعة- محمد الساعاتي:
أكد العلماء المشاركون فى الندوة التى أقيمت بمسجد عيد بن معتق، بالتعاون بين جريدة عقيدتي ووزارة الأوقاف، برعاية الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، تحت عنوان:” أخلاق الصائمين” أن أخلاق الصائم خلال الشهر الفضيل تحدد ثوابه العظيم، فطوبي لمن صامت جوارحه عن الحرام، والخسران لمن فرط في الأخلاق واتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.. وأوضحوا أن الصيام مدرسة تربوية والعبادات مقرونة بالأخلاق ولا يمكن الفصل بينهما، وخير الأخلاق نجدها في السيرة النبوية حتي بعث الله رسوله بمكارم الأخلاق.. بدأت الندوة بتلاوة قرآنية للشيخ أيمن العركي، مدير أوقاف عين شمس.
أكد الزميل جمال سالم، مدير تحرير عقيدتى، أن شهر رمضان يعد أوكازيونا إلهيا يتجلى فيه الكرم الإلهي لمن يتقي الله فيها ويتحلى بمكارم الأخلاق التي تحلى بها الرسل الأنبياء وعلى رأسهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي وصفه ربه بقوله:” وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ”. رمضان شهر تقال فيه العثرات، وتكفر فيه السيئات، وتكثر فيه الحسنات، وترفع فيه الدرجات، وتبذل فيه الصدقات وتتلى فيه الآيات وتتغير فيه العادات، وتنزجر النفوس عن خواطر المعاصي والمخالفات وتسعى فيه الجوارح لشكر عالم الخفيات ورب الأرض والسموات، رمضان شهر يتنزل فيه العطاء، ويتحقق فيه الرجاء، ويرفع فيه الدعاء، وتفتح فيه أبواب السماء، وهو شهر عظيم الهبات كريم النفحات، ومن جميل ما قاله الإمام ابن الجوزي:” والله لو كتب الله للموتي العودة للحياة لتمنوا يوما من رمضان” ولهذا يجب استثمار هذا الشهر العظيم للفوز بالجنة.
مكارم الأخلاق
أكد الدكتور أحمد عبدالهادي، مدير المراكز الثقافية بوزارة الأوقاف، أن رمضان مدرسة تربوية وجامعة أخلاقية ودستور إيماني ومنهجا ربانيا يهدي الحيارى إنه شهر الرفعة والسمو الأخلاقي، فلقد عُنيَ الإسلام بالأخلاق منذ بزوغ فجره وإشراقة شمسه، فالقرآن في عهديه المكي والمدني على السواء اعتنى اعتناء كاملا بجانب الأخلاق؛ مما جعلها تتبوأ مكانة رفيعة بين تعاليمه وتشريعاته، حتى إن المتأمل في القرآن الكريم يستطيع وصفه بأنه كتاب خلق عظيم، لأن الأخلاق من أهم مقاصد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم للناس فقال الله تعالى:” هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ”، فيمتن الله على المؤمنين بأنه أرسل رسوله لتعليمهم القرآن وتزكيتهم، والتزكية بمعنى تطهير القلب من الشرك والأخلاق الرديئة كالغل والحسد وتطهير الأقوال والأفعال من الأخلاق والعادات السيئة، فقال صلى الله عليه وسلم:”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، فأحد أهم أسباب البعثة هو الرقي والسمو بأخلاق الفرد والمجتمع لأن الأخلاق جزء وثيق من الإيمان والاعتقاد، ولما سُئل الرسول صلى الله عليه وسلم:” أي المؤمنين أفضل إيماناً؟ قال صلى الله عليه وسلم:” أحسنهم أخلاقاً”، وقد سمى الله الإيمان براً، فقال الله تعالى:” لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ”، والبر اسم جامع لأنواع الخير من الأخلاق والأقوال والأفعال، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:” البر حسن الخلق”، ويظهر الأمر بجلاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم:” الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”.
وأشار إلى أن الأخلاق ثمرة الطاعات، والعبادات الإسلامية الكبرى ذات أهداف أخلاقية واضحة، فالصلاة وهي العبادة اليومية الأولى في حياة المسلم، لها وظيفة مرموقة في تكوين الوازع الذاتي، وتربية الضمير الديني:” وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ”، والصلاة كذلك مدد أخلاقي للمسلم يستعين به في مواجهة متاعب الحياة:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ”، والزكاة وهي العبادة التي قرنها القرآن بالصلاة، وليست مجرد ضريبة مالية، تؤخذ من الأغنياء، لترد على الفقراء، إنها وسيلة تطهير وتزكية في عالم الأخلاق، كما أنها وسيلة تحصيل وتنمية في عالم الأموال فقال سبحانه:” خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا”، والصيام في الإسلام، إنما يقصد به تدريب النفس على الكف عن شهواتها، والثورة على مألوفاتها، وبعبارة أخرى: إنه يهيئ النفس للتقوى وهي جماع الأخلاق الإسلامية، والحج في الإسلام تدريب للمسلم على التطهر والتجرد والترفع عن زخارف الحياة وترفها وصراعها؛ ولذا يفرض في الإسلام الإحرام ليدخل المسلم حياة قوامها البساطة والتواضع والسلام والجدية والزهد في مظاهر الحياة الدنيا:” الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ “، وحين تفقد هذه العبادات الإسلامية هذه المعاني ولا تحقق هذه الأهداف، تفقد بذلك معناها وجوهر مهمتها، وتصبح جثة بلا روح، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء، فلا صلاة له، وكم من قائم (أي الليل بالتهجد) ليس له من قيامه إلا السهر، ومن لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.
وأوضح أن رمضان عطاء رباني يغمر حياة المسلمين، يهتف بهم هلموا إلى رب كريم، لا شقاء في رحابه، فهو شهر تسمو فيه النفوس، وتصفوا فيه القلوب، وترقى فيه الأرواح، وتهذب فيه الأخلاق، فهو شهر سباق للقلوب إلى الله، ليس أقصر منه وقتا، ولا أعظم منه أجرا، فهو كما قال الله عنه” أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ…”، وليس فيه مجال لتضييع الأوقات، ولا تقليب القنوات، ولا إطالة السهرات والجلسات، ولا القبوع أمام الشاشات، الحمد لله الذي جعلنا من أتباع هذا الدين العظيم الذي من جماله وكماله في تشريعاته وعباداته أنه نوَّع بين هذه العبادات في النوع والشكل وفي الزمن والوقت، وكلها لمصالح العباد والبلاد، فالعبادات منها الصيام تهذب النفس تهذيبا شاملا كاملا من جميع جوانبها، ويصوغ الصفوة الطاهرة الصالحة من البشر الذين هم أهل لأن يباهي الله تعالى بهم الملأ الأعلى من الملائكة الأبرار، ومنافع هذه العبادات تتعدد وحكمها تتنوع لتخدم هذه المقاصد الشريفة في صياغة هذا المؤمن المراد، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة طهرة للمال، وطهارة وزكاة للمال والنفس، وإحسان للفقراء ومواساة بين أبناء الدين، والحج مؤتمر سلام، واجتماع وتعاون ووحدة، وشهود لمعالم الخير، وإذا خصصنا الصيام ففيه من المنافع والحكم والمقاصد ما يجل عن الوصف ويند عن الحد والعد، ولا نجد وصفا أجمع من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه: (الصوم جُنة). والجنة هي السترة، وكل ما يقي من السلاح وغيره، والمعنى أنه ستر وحماية ووقاية، فهو ستر وحماية ووقاية من الشهوات المردية والغرائز المؤذية، فالشبع أصل كل مفسدة، وشهوة البطن مفضية إلى كل سوء يزداد كلما شبع المرء وامتلأت معدته، فيدعوه إلى فعل الحرام أو رؤيته أو التفكير فيه، قال القرطبي: “كلما قلَّ الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي”.
وأستطرد قائلا: إن أخلاق الصيام تضيق على الشيطان مجاريه، ويحمي الشاب ويحفظه ويقيه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)، فضلا عن ان الصوم حماية من الأخلاط الرديئة والأمراض التي غالبا ما تأتي بسبب التخمة وكثرة الطعام (فإن المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء)، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) . فقد أكد الأطباء أن الصوم صحة، وقد قيل:” إن مما أهلك البرية، وقتل الوحوش في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام”.
وطالب بتعريف الصائمين أخلاق “صيام اللسان” لأنه من أخطر الجوارح الذي قد يضيع ثواب الصائم، وصيام اللسان يكون بالإمساك عن فضول الكلام والخوض في الباطل والمراء، والخصومة والكذب والنميمة والفحشاء والجفاء، واللعن والسخرية والاستهزاء، وإذا كان صوم اللسان يجب أن يكون على الدوام وطوال العام ، إلا أنه يتأكد عند الصيام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل:إني صائم. إني صائم”. الرفث: الكلام الفاحش، ولا يجهل: أي لا يفعل شيئاً من أفعال أهل الجهل، كالصياح والسفه… ونحو ذلك والصائم هنا أغلق مدخلا من مداخل الشيطان الذي يحث الانسان على الانتقام لنفسه، أما الصائم فيرفع قضيته إلى رب السماء ليقتص له، ويجازيه عن كظم غيظه، ففي صحيح البخاري في كتاب “الصيام” “باب حفظ اللسان للصائم وفضل الصيام” من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”قال الله: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّةٌ، وإن كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإنه سابَّه أحدٌ أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم” الصخب: الخصام والصياح. وقال أيضا:” ليس الصيام من الطعام والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سَابَّكَ أحدٌ، أو جهل عليك، فقل: إني صائم إني صائم”.وفى رواية عند ابن خزيمة: “لا تسابّ وأنت صائم، فإن سَابَّكَ أحدٌ، فقل: إني صائم، وإن كنت قائماً فاجلس”، قال كذلك:”مَن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”.
وأنهى الدكتور أحمد عبد الهادي كلامه مطالبا بإعداد نفوس الصائمين لتقوى الله يظهر من وجوه كثيرة: أعظمها شأنا، وأظهرها أثرا، وأعلاها شرفا، أن الصيام موكول إلى نفس الصائم وضميره، لا رقيب عليه فيه إلا الله، فهو سر بين العبد وبين الله، ولولا تقوى الله ومراقبته وخشيته والحياء منه لم يلتزم الأمانة في حفظ الصيام؛ فإذا استمر هذا شهرا كاملا كان تدريبا للنفس على التزام هذا الحال الغالي والمرتقى العالي فتتعوده النفس ويصبح لها خلقا وعادة تستمر معها زمانا بعد رمضان وربما التزمته إلى آخر العمر، والصوم تربية للنفس، وتقوية العزائم، وتهذيب للغرائز، وتتميم للأخلاق، واطمئنان للنفس، وانشراح للصدر، وتعظيم لشعائر الله، كما أن للصوم حكم باهرة وآثار بديعة باطنة وظاهرة، ودروس لا تنقضي، وعبر لا تنتهي، وآثار عظيمة على الفرد والجماعة، ومن أهم أخلاق الصائمين:”صوم القلب- صوم اللسان- صوم العين- صوم الأذن – صوم البطن- صوم اليد- صوم الرجل”.وعلى الصائم أن يجتهد في التقرب إلى الله ليلا ونهارا والإلحاح بالدعاء لأنه مخ العبادة.
الأخلاق عبادة
أكد الدكتور حاتم أمين، إمام وخطيب مسجد عيد بن معتق، أن المسلمين استقبلوا ضيفاً كريماً، وغائباً عزيزاً، طالما انتظروه بقلوبٍ مفعمةٍ بالشوق حينما يستقبلونه، وبالحزن والأسى والندم حينما يودعونه، ضيفٌ إذا جاء أقبل معه الخير، وجاءت معه البركات من كل جانب، شهرٌ عظيم ينادي منادٍ في أول ليلة من لياليه: (يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر) تفتح فيه أبواب الجنة فلا يغلق منها باب، مفتوحة على مصاريعها، إنها فرصة عظيمة لمن يريد أن يعود إلى الله، وتغلق فيه أبواب النيران فلا يفتح منها باب، وتغل فيه مردة الشياطين فلا يخلصون إلى شيء مما كانوا يخلصون إليه في غير رمضان.
وأوضح الدكتور حاتم أن الصوم حماية من الغضب والسفه والطيش، فهو يضبط النفس، ويعود صاحبه على التحكم في انفعالاتها وغرائزها، ولا يسترسل مع أهوائها وعوائدها، فيملك نفسه ولا تملكه، وقال عليه الصلاة والسلام:(ليس الشديد بالصُرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)، وقال فيما يتعلق بأخلاق الصائم: (والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب. فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم)، فالصوم يحفظ صاحبه من مجاراة السفهاء، ومخاصمة الجهلاء، والوقوع فيما لا يقبله العقلاء، والصوم جُنة من كل خُلق رذيل أو كل فعل مشين، وقال صلى الله عليه وسلم:(ليس الصوم من الطعام والشراب وإنما الصوم من اللغو والرفث)، وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).فالصوم يهذب أخلاق الصائمين، ويحفظ على العبد لسانه وجميع جوارحه كما قال جابر بن عبد الله: “إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الخادم والجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء”، بل إن الصيام وقاية من غضب الجبار: فقال صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام جنة وحصن حصين من النار). بل إن الصيام من أكبر المعينات على تقوى الله، كما يقول ابن القيم:” والصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات؛ فهو من أكبر العون على التقوى”. بل إن التقوى هي العلة المنصوص عليها في كتاب الله فكأنها هي المقصود الأعظم وهي كذلك؛ قال الله تعالى:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”.
وأشار إلى أنه يجب على المسلم أن يتمسك بأخلاق الصائمين لتحقيق الغاية المنشودة من الصيام، فقال ابن قيم الجوزية في كتابه (زاد المعاد): وللصوم تأثيرٌ عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوة الباطنة وحمايتها عن التخليط الجالب لها المفاسدَ التي إذا استولت عليها أفسدتها واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها؛ فالصوم يحفظ على الجوارح صحتَها ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى”، للإمام أبي حامد الغزالي رأي في حقيقة الصوم أورده في كتابه “إحياء علوم الدين” إذ قسّم الصوم إلى ثلاث درجات صوم العموم. وصوم الخصوص. وصوم خصوص الخصوص، وقال عن صوم العموم:” إنه كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة”، وقال عن صوم الخصوص:” إنه كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن ارتكاب الآثام”، وقال عن صوم خصوص الخصوص:” إنه صوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية”.
واستطرد قائلا: إن أثر الصوم على الجوارح والأعضاء عظيم، ولو حقق المسلم العبودية والصوم في كل جارحة لأصبح المجمع مجتمع يحمي الفضيلة ويبتعد عن الرزيلة،طوبى لمن وصل بصيامه إلى صيام القلب فهو أرقى أنواع الصيام لأن القلب هو محل السعادة والشقاء، والإيمان والكفر، واليقين والشك، وإنما فرض الصيام لأسرار وحكم لا يدركها مَن كان أكبر همه أن يمتلئ بطنه بعد طول فراغ، وأن يطفئ حرارة الجوع، وشدة العطش عند مغيب الشمس، وذلك آخر عهده بالصوم، كيف يصوم مَن أفطر قلبه على سيء الأعمال، وكريه الأخلاق، وانطوى صدره على الغش لإخوانه، وإلقاء العداوة بينهم، وإذكاء نيران الفرقة في صفوفهم، فصيام القلب يكون بتفريغه من هذه المواد الفاسدة سواء أكانت شركِيَّات مهلكة أو اعتقادات باطلة، ومن وساوس سيئة، ومن نوايا خبيثة، ومن خطرات موحشة، ويصوم قلب المؤمن كذلك عن الكبر والعُجب والرياء والحسد، فإذا صام القلب عن هذا كله؛ فإنه يصبح قلبًا طاهرًا عامرًا بحب الله، ويكون صاحبه من أفضل الناس، عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما – قال:” قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا غلّ ولا حسد”. مخموم القلب هو طاهر القلب نظيفه، وكان صلى الله عليه وسلم يقول:” التقوى ها هنا”.
عن أنواع أخرى من صوم الجوارح طوال العام وخاصة في شهر الصيام قال الدكتور حاتم: إن للعين صوم وهو عدم إطلاقها فيما حرَّم الله، فقال تعالى:” قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ”، أما صوم الأذن فيكون بالبُعْد عن سماع الحرام، وعن كل ما يغضب الرحمن، سواء كان في رمضان أو في غيره؛ لأننا سنحاسب على كل ما نسمعه بإرادتنا، قال الله تعالى:” وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً”، صوم البطن عن طريق اجتناب الحرام، وهذا لم يفهمه البعض، فتراه في رمضان يصوم عن الحلال من الطعام وشراب، ولكنه منغمس في الحرام؛ فتراه يتعامل بالربا، أو يأكل أموال اليتامى ظلماً، أو يأخذ الرشوة، أو يحتال على الناس بالسرقة، وغير ذلك من ألوان أكل الحرام، وصدق صلى الله عليه وسلم حيث قال:”يأتي على الناس زمان لا يبالي المرءُ ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام؟”.. فصوم البطن لا يكون إلا بالتَّنِزُّه عن ذلك كله، فتصوم البطن عن أكل أموال اليتامى، قال الله تعالى:” إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً”، وكذلك تصوم البطن عن أكل الربا، وهذه علامة على صحة الإيمان، قال سبحانه:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”. وكان يوسف بن أسباط:”إن الشاب إذا تعبَّد قال الشيطان لأعوانه: انظروا من أين مطعمه؟ فإن كان مطعم سوء قال: دعوه يتعب ويجتهد فقد كفاكم نفسه، إن اجتهاده مع أكل الحرام لا ينفعه”، وقال وهب بن الورد:”لو قمت قيام السارية ما نفعك؛ حتى تنظر ما يدخل بطنك أحلال أم حرام؟”، أما صوم اليد فهو كفّها عن البطش والقتل والسرقة وأخذ الرشوة وغير ذلك من ألوان المعاصي والذنوب، فيجب على الإنسان منا ألا يبسط يده إلا في الخير، أما صوم القدمين هو كفّهما عن السعي إلى الحرام لأن الخطوات التي نمشيها إما إلى خير وإما إلى شر مسطورة مكتوبة، ففي حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية:” يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا”. قال: أتدرون ما أخبارها ؟. قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أَمَة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عملت كذا وكذا، يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها”.
وأنهى الدكتور حاتم أمين كلماه قائلا: إذا أردت أن تسعى بقدمك إلى معصية فابحث عن أرض لاتشهد عليك!!، فاتَّقِ الله في هذه القدم وكل الجوارح التي ستشهد علينا يوم القيامة، قال الله تعالى:” الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ” وقال تعالى أيضا:” يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”.