التجنيد الإجباري يضم أكثر من 6 آلاف من الأقليات
التجنيد لذكور الشراكسة.. أو التهجير
طارق عـبدالله
أثار الإعلان عن اسم الجندي الإسرائيلي الذي قتل خلال إحدى عمليات الاقتحام السرية لإحدى الوحدات الخاصة للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، الكثير من الجدل والحيرة على وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع المختلفة! حيث تساءل البعض عن حقيقته حين أعلن أن اسمه “محمود خير الدين”! إلا أن إعلان وسائل الإعلام العبرية عن مشاركة الوزير الدرزي أيوب قرّا في جنازة الضابط القتيل، وإشادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه أفيغدور ليبرمان- قبل اعلان استقالته- بالضابط حين وصفوه بأنه “بطل قومي”، كشفت عن هويته الدرزية، وقد تبين أنه من الدروز الذين يقطنون قرية حرفيش بمنطقة الجليل المحتلة.
الدروز بالجيش الصهيوني
من المعروف أن الجيش الإسرائيلي يضم عددا كبيرا من طائفة الدروز وبعض الأقليات الأخرى، والذي يصل عددهم داخل الجيش إلى أكثر من 6 آلاف جندي وضابط، حيث تلزم حكومة الكيان الصهيوني طائفة الدروز بالتجنيد الإجباري جنباً إلى الجنب مع اليهود، ويشكل المجندون الدروز نسبا عالية في الجيش سنويا، ويخدم غالبيتهم في وحدات قتاليّة، من أهمها “كتيبة السيف” وهي من سلاح المشاة والتي يعتبر جميع مقاتليها من الدروز.
تجنيد إجباري

كانت حكومة الكيان الصهيوني قد سنَّت قانون “الخدمة العسكرية” عام 1949، والذي منح فيه البند السادس الصلاحية لوزير الأمن الإسرائيلي بدعوة من يراه مناسبًا من مواطني إسرائيل الذكور والإناث الذين تتراوح أعمارهم بين (18 – 29) عامًا لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية، باستثناء الشباب العربي الفلسطيني، على اختلاف طوائفهم المسيحية والإسلامية، ورغم ظهور معارضة لفكرة تجنيد الدروز في البداية من قبل شخصيات درزية اعتقدت أن الدروز يجب أن يظلوا محايدين إزاء الصراع الإسرائيلي- العربي أو أن يظلوا مساندين للفلسطينيين في محنتهم، إلا أن الزعامات الدرزية المؤثرة في جبل الكرمل والجليل حسمت مصير الدروز واختارت الوقوف إلى جانب اليهود وإسرائيل!!
ويبلغ عدد أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل حاليا نحو 134 ألف شخص، 1.7% من مجموع سكان إسرائيل و 8.0% من السكان العرب في البلاد (مقابل 14.5 ألف درزي عاشوا في إسرائيل عند إقامتها عام 1948، حينها كانوا يشكّلون نحو 1.2% من مجموع السكّان، ويعيش الدروز في فلسطين منذ القرن الحادي عشر.
وفي دراسة عن الهوية أجريتْ على الدروز في إسرائيل، وُجد أنّ معظمهم يعرّفون أنفسهم بأنّهم ” دروز” قبل كلّ شئ، ثم بعد ذلك “إسرائيليّون”، وأخيرًا “عرب”!
وتنقسم تجمّعاتهم السكّانية في إسرائيل إلى قسمين، حيث يتواجد التجمّع الأكبر (نحو 110 آلاف) حول جبل الكرمل وفي الجليل (قرب المدينة الإسرائيلية حيفا)، والثاني (نحو 20 ألفا) في شمال هضبة الجولان، بالقرب من الحدود الإسرائيلية- السورية (بالمناسبة، تضمّ سوريا أكبر تجمّع للدروز في العالم، حيث يعيش هناك مليون ونصف، وتأتي لبنان بعدها، حيث يعيش فيها 700 ألف، ويعيش في الأردن اليوم أقلّ بقليل من 20 ألفا).
وتعد دالية الكرمل ويركا هي أكبر البلدات الدرزية في إسرائيل، حيث يعيش في كلّ منها نحو 15 ألف درزي، في المجموع هناك 15 بلدة درزية في إسرائيل، بالإضافة إلى ثلاث بلدات عربية مختلطة.
الهوية الدينية
المعروف عن أن غالبيتهم- خاصة الموجودين في سوريا ولبنان- ينتمون إلى المذهب الشيعي الذي انشق عن الفرقة الإسماعيلية أثناء الخلافة الفاطمية، وهو دليل على انتمائهم إلى أصولهم الإسلامية، أما الموجودن في اسرائيل فيشكك البعض في انتمائهم للدين الإسلامي رغم حمل غالبيتهم أسماء اسلامية، فيقولون أن الدروز لهم علاقة بالديانة اليهودية، كما يرى باحثون إسرائيليون بأنها ليست وليدة التاريخ الحديث، إنما تعود إلى علاقة موسى، بشعيب نبي الدروز في مدين، حيث تحالف الاثنان وتزوج موسى ابنة شعيب “صفورة”، وبعدها عيَّن موسى شعيبا مستشارا له ونصحه نبي الدروز بكيفية إدارة شؤون الدولة، وله الفضل بنصيحة موسى بتوزيع الصلاحيات بدل إبقائها بيده، كما أن الدروز يؤمنون من ناحية المبدأ بضرورة الولاء للحاكم، فمثلما يكن دروز سوريا الولاء للأسد، فدروز إسرائيل يكنون الولاء لإسرائيل، حتى أن بعض الدروز في إسرائيل ذهبوا إلى أبعد من ذلك وفكروا في إقامة حركة درزية صهيونية.
وبالبحث وجدنا أن “الدرزية” أو كما يسميها أبناء طائفتها بمذهب التوحيد وأتباعها الدروز ومفردها درزي، طائفة دينية ذات أتباع في لبنان، سوريا، فلسطين، الأردن، مع بعض التجمّعات في الولايات المتحدة، كندا، وأمريكا الجنوبية من المهاجرين من الدول المذكورة، يتراوح عدد منتسبيها حول العالم بين المليون والمليونين ونصف نسمة، يسمون بالدروز نسبة لنشتكين الدرزي الذي يقولون بزندقته ويعتبرون أن نسبتهم إليه خطأ، فهم يكرهون هذا الاسم ويرفضونه بل يشيرون إلى أن هذا الاسم غير موجود في كتبهم المقدسة ولم يرد تاريخيًا في المراجع التي تكلمت عنهم، فيقولون أن اسمهم هو الموحدون الدروز وهم أتباع الحاكم بأمر الله الفاطمي، عقيدتهم الأساسية في توحيد الله أو بتسميتهم الشائعة “بنو معروف” الذي يعتقد أنه إما اسم لقبيلة عربية اعتنقت الدرزية في بداياتها أو ربما هو لقب بمعنى أهل المعرفة والخير.
وترتبط العقيدة الدرزية بشكل عام بالخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله الذي يعد أحد أكثر الحكام إثارة للجدل في عصره، ففي 23 فبراير 1021م خرج ليلًا وبدون حراسة كعادته ولم يعد، واختلفت المصادر في تفسير الأمر الذي حصل في تلك الليلة لكن تبقى الحقيقة أن الحاكم بأمر الله قد اختفى من دون أثر! فاضطر الإسماعيليون في القاهرة لإعلان وفاة الحاكم بأمر الله وإعلان ابنه الظاهر لإعزاز دين الله إمامًا وحاكمًا للدولة الفاطمية، إلا أن حمزة بن علي- مبعوث الحاكم إلى الشام- رفض التسليم بموت الحاكم، وقال أنه اختفى ليعود في وقت لاحق ليملأ الأرض عدلًا، لذلك فهو رفض الاعتراف بإمامة ابنه الظاهر وأعلن- ومن اتبعه في بلاد الشام- انشقاقهم عن الدولة الفاطمية.
ويعتقد الموحدون الدروز أن الله واحد أحد لا إله إلا هو ولا معبود سواه، الواحد الأحد، الفرد الصمد المنزه عن الأزواج والعدد، وهو الحاكم الفعلي والأزلي للكون وممثوله في القرآن (على العرش استوى) و (أحكم الحاكمين) فهو الحاكم الأحد المنزه عن عباده ومخلوقاته، فالله منزه عن وصف الواصفين وإدراك العالمين وهو في مواضع كثيرة من رسائل الحكمة، حاكم الحكام المنزه عن الخواطر والأوهام جل وعلا فلا مجال لتشبيه لاهوته أو حلوله في أحد من البشر.
يعترف الدروز بالقرآن لكن يفسرون معانيه تفسيرًا باطنيًا غير المعاني الواضحة في النص، ولهم كتاب آخر يسمى “رسائل الحكمة” من تأليف حمزة بن علي بن أحمد وهو تفسير للقرآن يمنع الاطلاع عليه لأي كان حتى أبناء الطائفة نفسها عدا شيوخ الطائفة.
وهناك من لا يعتبرون الدرزية من الإسلام، فيما يعتبرها آخرون مذهبًا من المذاهب الإسلامية، إذ يعتمد علماء الدروز على العديد من الأدلة لإثبات إسلامهم كبناء الحاكم بأمر الله للجوامع وإقامته الصلاة في أوقاتها وإقامته دعائم الإسلام، وتشابه التقاليد الاجتماعية الدرزية مع نظيرتها الإسلامية، كطقوس الزواج والعزاء وشعيرة عيد الأضحى، كما يعترف الدروز بالشهادتين وبالرسول صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن الكريم والقضاء والقدر واليوم الآخر، وهذا الاختلاف بشكل عام مرده إلى بعض الغموض والضبابية التي تكتنف بعض تفاصيل العقيدة الدرزية.
على أية حال فبعض المشايخ الدروز يقولون عن أنفسهم ورعاياهم إنهم مسلمون كالشيخ محمد أبو شقرة، وفي سوريا مثلا تعتبر الطائفة الدرزية مذهبًا إسلاميًا بالرغم من وجود الأحكام المذهبية الخاصة بها والتي يُعامل أبناء هذه الطائفة وفقها معاملةً تختلف عن معاملة باقي الطوائف الإسلامية في سوريا.
الشراكسة الإسرائيليون
كما هو الحال مع الدروز فإن تجنيد الأقليات الأخرى مثل الشراكسة الذين يعيشون في إسرائيل يخضعون منذ عام 1958 للتجنيد الإجباري، ولكن الأمر هنا يقتصر على الذكور دون الإناث، بناء على طلب زعيمهم، ويعمل العديد من الشركس في قوات الأمن، بما في ذلك الشرطة وحرس الحدود وقوات الدفاع، ومصلحة السجون، وتعد النسبة المئوية من مجندي الجيش في أوساط المجتمع الشركسي في إسرائيل مرتفعة بشكل خاص.
والشركس في إسرائيل، هم من المسلمين السنة؛ وعددهم نحو 4,000، يسكنون في قريتين هما كفر كما والريحانية، وقد وصلوا إلى الشرق الأوسط بعدما هُجّروا قسرًا من وطنهم في شمال القوقاز، حيث أنشأ الشركس قرية الريحانية في عام 1873، وقرية كفر كما في عام 1876.. ويندمج الشراكسة بشكل جيد في المجتمع الإسرائيلي، ويتحدث غالبيتهم الأديغة، بالإضافة إلى تعلم العبرية والعربية والإنجليزية في المدرسة الابتدائية.
في بداية تجنيدهم حاول بعض الشراكسة رفض الخدمة في الجيش الإسرائيلي للمحافظة على العلاقة بينهم والفلسطينيين، إلا أن ذلك عرضهم لمصادرة قراهم وأراضيهم التي يسكنون بها، وتعرضوا لعمليات طرد، ففي 1953 طردت السلطات الإسرائيلية سبع عائلات شركسية من قرية الريحانية، وفي 1957 غادرت أسر عدة إلى تركيا هرباً من تعسف الاحتلال، فيما تقلصت مساحة قرية كفر كما الشركسية من نحو 8500 دونم إلى نحو 6500 دونم، وأراضي قرية الريحانية تقلصت من 6000 دونم إلى 1600 دونم بفعل المصادرة.
ومع إصرار الشباب الشركسي على عدم الخدمة في الجيش، وبخاصة المتدينين منهم، وافقت إدارة الجيش الصهيوني على إعفاء شخص واحد من كل قرية شركسية سنويا من الخدمة الاجبارية وشكلت لهذا الغرض “اللجنة الدينية”، بعدها ارتفع العدد الى اثنين وفي السنوات الاخيرة الى أربعة وكل من يرغب فوق هذا العدد في عدم الخدمة يمكنه تقديم طلب خاص بإعفائه منها وغالبا ما تتم الموافقة على هذه الطلبات، وكان لقائمة النور الاسلامية في المجلس المحلي في قرية كفر كما الشركسية دور بارز في إثارة موضوع الخدمة في الجيش وتوصلت مع ادارة الجيش لهذا الاتفاق، مع انها كانت تطمح الى إلغاء التجنيد الاجباري، وينظر الشركس الى من يخدمون بالجيش الاسرائيلي الآخذ عددهم بالتضاؤل والتناقص نظرة سلبية.