أوشكت حرب غزَّة على النهاية إذا نجحت خطّة “ترامب” وطُبِّقت بعدالة، لكن المشكلة أن الخطّة بعد تعديلها على يد مجْرم الحرب “نتنياهو” سوف تأخذ غزّة إلى مرحلة من الانتداب الأمريكي، شبيه بالانتداب البريطاني عام 1945 الذي سلَّم فلسطين للحركة الصهيونية، وهو ما سيفرض على غزّة والفلسطينيين عموما أنماطًا جديدة من المقاومة لمواجهة أطماع ترامب وخطّته (المعدَّلة)، التي تستهدف إخلاء القطاع مما يسمّيه (التطرّف)، وتعمد إلى العبث في الهُوية الوطنية والدينية لأهل غزّة وتغيير المناهج الدراسية وترويج الديانة الإبراهيمية، كي يتسنَّى فرض السلام الذي يريده وتريده إسرائيل.
وقد جاء قبول حماس (المشروط) لهذه الخطة الجهنمية اختيارًا لأخفِّ الضَرَرَيْن، إذ كان الرّفض يعني مباشرة الإبادة الكاملة للناس والحجَر والمُدَر، لكن حماس أعلَت المصلحة الوطنية على حساب وجودها وتضحيّاتها وسُمعتها وسلامة رجالها، إيمانا بأنها أعذرت إلى ربِّها وشعبها، وأعدَّت ما استطاعت من قوّة ومن رباط الخيل، وأدَّت واجبها، وإيمانا أيضا بأن المقاومة لا تموت، فهي موجودة مادام هناك احتلال، وسوف يحمل المستقبل ـ يقيناـ أجيالا وأشكالا أخرى للمقاومة، حتى يتم تحرير الأرض والمقدَّسات.
وكان “ترامب” قد استدرَج رؤساء وأمراء وقادة 8 دول عربية وإسلامية خلال لقائه بهم في نيويورك 24 سبتمبر الماضي إلى الموافقة على خطة سلام عنوانها وقف العدوان مقابل تسليم جميع الرهائن الإسرائيليين الأحياء والأموات، والانسحاب الكامل من غزّة، وإنهاء الحصار وإدخال المساعدات ورفض التهجير، وتشكيل إدارة فلسطينية من المستقلِّين (التكنوقراط) ليس فيها حماس لإدارة القطاع، مع وقف أيّة خطط لضمّ الضفّة الغربية إلى إسرائيل وتهيئة الأوضاع لحلِّ الدولتين، وتمَّ التلاعب بهذه الخطة من قِبل نتنياهو عندما التقى ترامب في البيت الأبيض 29 سبتمبر، حيث نجح في تفريغ الخطّة من مضمونها، بالاتفاق مع فريق التفاوض الأمريكي الخبيث، وعلى رأسه “جاريد كوشنر” صهر ترامب و”ستيف ويتكوف” مبعوثه الشخصي، كي يحقّق بها ما لم يحقّقه بالحرب على مدى العامين الماضيين.
ومن أهم التعديلات التي أدخلها نتنياهو، إبقاء السيطرة الإسرائيلية على 60% من مساحة غزة، فلا جداول واضحة للانسحاب، ولا توقيتات محدَّدة، ما يعني أن الحرب لن تتوقّف بشكل حقيقي، وإذا توقَّفت فليس هناك ما يمنع إسرائيل من استئنافها لأي سبب بعد أن تتسلَّم أسْراها وتطمئن إلى نزع سلاح المقاومين، والأهم فرض احتلال أمريكي بـ”لافتة دولية” شبيهة بسُلطة انتداب، يرأسها “ترامب” ويعمل تحت إمرته مجرم الحرب “توني بلير” رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ومجموعة منتقاة من المستشارين والمستثمرين ممّن لديهم ميول صهيونية فجَّة.
وصاحَب عرض الخطّة (المعدَّلة) تهديد ووعيد من ترامب، مما جعلها خطة إذعان لا سلام، وهو ما دفع مصر وإندونيسيا وتركيا وقطر ودولا أخرى إلى انتقاد تعديلات نتنياهو، وشجَّع المقاومة على التعامل بمسئولية عالية معها، فجاء ردَّها فَطِنًا مُركَّزا، إذ لم ترفض الخطّة حتى لا تستثير الوحْش الأمريكي وتبدو غير راغبة في إنهاء الحرب، وإنما عمَدت إلى إعلان الموافقة على تبادل الأسْرى وإطلاق سراح الرهائن والجثامين دُفعة واحدة، وإيقاف العدوان وتحقيق الانسحاب ودخول المساعدات فورا، ورفْض الاحتلال والتهجير، وثمَّنت دور ترامب الطامح إلى جائزة نوبل للسلام حتى تُرضي غروره، لكنها لم تمس الثوابت المتمثِّلة في الدولة والسلاح وحقّ المقاومة، وقدَّمت في الوقت ذاته استدراكات على بنود بعينها، فأكّدت أن تسليم إدارة القطاع سيكون لإدارة فلسطينية من المستقلِّين، ما يعني رفْضها لفكرة الهيئة الدولية التي يرأسها ترامب وبلير، وفيما يتعلّق بالقضايا الأخرى الخاصة بمستقبل القطاع وحقوق الشعب الفلسطيني فأكّدت أن التفاوض بشأنها سيكون من خلال التوافق الفلسطيني الذي هي شريكة فيه، واستنادا للدعم العربي والإسلامي والقوانين والقرارات الدولية ذات الصِّلَة.
ورغم ترحيب ترامب وإشادته برَدِّ حماس، وإشادة الفصائل الفلسطينية وكلّ دول العالم، فإن هناك مخاوف حقيقية من أن ينقلب ترامب ونتنياهو على الاتفاق، ويتهرَّبان من أيّ استحقاقات عليهما كما اعتادا، فلا رادع لهما ولا ضامن لتعهُّداتهما، وحينذاك تتحوّل الخطّة إلى خدعة للحصول على الرهائن، ثم تدخل المنطقة كلّها في مرحلة من المُماطلة وفرْض الإرادة بقوّة السلاح، وتتويج إسرائيل قائدة ومهيمنة على الشرق الأوسط، وبالمقابل ستنطلق المقاومة الأوسع نطاقا والأكثر عُمْقًا.





























