رحل عن عالمنا الأسبوع الماضي العالم الجليل الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم، أحد كبار علماء الأزهر، وأحد أبرز من حملوا راية الدعوة والحديث في هذا العصر، رحل تاركًا وراءه ميراثًا علميًا وروحيًا يندر أن يتكرر، وسيرة عطرة امتزج فيها العلم بالخلق، والهيبة بالتواضع، والإخلاص بالعمل المتواصل من أجل الدين والوطن.
كان د. هاشم من القلائل الذين جمعوا بين العلم الأكاديمي العميق والروح الدعوية الصادقة. فقد أفنى عمره في خدمة السنَّة، تدريسًا وتأليفًا ودفاعًا عنها في المحافل المحلية والدولية. تولى مناصب علمية وإدارية مرموقة، منها رئاسة جامعة الأزهر وعضوية هيئة كبار العلماء، وكان عضوًا بمجمع البحوث الإسلامية، وعضوًا بمجلس النواب، وصوتًا قويًا في الدفاع عن الوسطية الأزهرية والهوية الإسلامية.
لم يكن د. هاشم مجرد أكاديمي يجلس خلف مكتب أو يُلقي محاضرات جافة، بل كان داعيةً يعيش همّ الأمة، يشارك الناس أفراحهم وأحزانهم، وينزل إلى الميدان بالقول والعمل. من يتأمل دروسه ومحاضراته يشعر بروح العالم الرباني الذي يخاطب القلب والعقل معًا، فيدمج بين النصوص والأثر والتجربة الإنسانية، بأسلوب بسيط قريب من الناس، لكنه عميق في معانيه ومقاصده.
كان خطيبًا مفوهًا، حاضر الذهن، صادق النبرة، لا يخشى في الله لومة لائم، يدافع عن الأزهر حين يُهاجَم، وعن العلماء حين يُغيبون، وعن السنّة حين تُشوَّه. دائمًا يرى أن مصر والأزهر هما جناحا الدعوة الإسلامية، وأن الحفاظ على مكانتهما واجب ديني ووطني.
رحيل د. عمر هاشم أعاد إلى الأذهان قضية خطيرة، وهي غيبة العلماء الربانيين عن ساحة الوعي والتوجيه. فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وإذا غاب العالم الرباني، ظهرت الفوضى الفكرية، وارتفعت أصوات الجهلاء، وتصدَّر من لا علم له ولا هدى. إن الأمة التي لا تحفظ لعُلمائها مكانتهم، ولا تُمكّن صوتهم من الوصول إلى الناس، تفقد بوصلتها وتضيع هويتها.
من أبرز ما ميز د. عمر هاشم تواضعه الجم، فعلى الرغم من مكانته العلمية والاجتماعية الرفيعة، كان قريبًا من طلابه ومريديه، لا يتكبر ولا يتصنع. عرفه الجميع بابتسامته الهادئة وكلماته الطيبة، وكان يرى في العلم رسالة لا وسيلة، وفي الدعوة واجبًا لا مهنة.
برحيله، فقد الأزهر واحدًا من أبرز رموزه الذين حملوا فكره الوسطي ومكانته العالمية. لقد كان صوت الأزهر المعتدل في مواجهة تيارات الغلو والتشدد، وفي الوقت نفسه، المدافع عن ثوابت الدين أمام محاولات التشويه والتغريب.
إن رحيل العلماء أمثال د. عمر هاشم يجب ألا يمرّ مرور الكرام، بل يكون مناسبة للتأمل في قيمة العلم والعلماء، ولتجديد العهد مع الله بأن تبقى منارات الأزهر مضيئة، تخرِّج علماء ربانيين يجمعون بين الفقه في الدين والحكمة في الدعوة، وبين الشجاعة في الحق والتواضع في الخلق.
فغيبة العلماء ليست غياب أجساد، بل غياب نورٍ ووعيٍ وهدايةٍ للأمة. وإذا كان الموت حقًّا لا يُرد، فإن الرسالة لا تموت، والذكر الطيب لا يُمحى، والعلماء لا يرحلون حقًا، بل يبقون أحياءً بعلمهم وآثارهم.
رحم الله فقيد الأمة ومحدثها د. أحمد عمر هاشم، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعل علمه في ميزان حسناته، وألهم الأمة أن تكرم علماءها في حياتهم، قبل أن تبكيهم بعد رحيلهم.





























