وردت كلمة “ريح” في 19 موضعا من 18 آية في 18 سورة من القرآن الكريم لأنها ذكرت في الآية (22) من سورة يونس مرتين ، ووردت كلمة “الرياح” 10 مرات من 10 آيات في 9 سور منها آيتان في سورة الروم. والآيات التي وردت فيها الريح والرياح ، منها آيات ذكرت الريح في موضع الرخاء والرحمة كقوله تعالى: (.. حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا.. (22) سورة يونس، وريح عاصف شديدة الهبوب (..جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ..(22/يونس). والغالب أنَّ الريح الواحدة تكون في الشرِّ (رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24/الأحقاف). بينما الرياح المتتابعة تكون خيرا: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ (57/الأعراف)، ويستثنى أن الرياح قد تعمل عمل الريح في قوتها وشدتها (.. فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ.. (45/الكهف) أي: متكسرا متفتتا، تفرقه وتنسفه الرياح (تفسير القرطبي)، وهي الرياح الذاريات.
أنواع الريح: بالنظر والاستدلال يمكن تقسيم الريح إلى نوعين رئيسيين وهما:
الريح المبشرات بالخير: ومنها ريح طيبة وهي التي تُجري السفن رغم ضخامتها: (وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ (22/يونس)، وريح رُخاء: أي: ريح لينة طيبة، كالتي سخَّرها الله لنبيه سليمانَ عليه السلام ( تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36/ص)، والريح الساكنة: من قوله تعالى: (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ ..(33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ(34/الشورى؛ أي: “أن الله تعالى لو شاء لسكَّن الرِّيْح فوقفت، أو لقوَّاها فشردت وأبَقت وأهلكت (تفسير ابن كثير).
والريح المهلكات بحسب وصفها منها: ريح عاصف: (..جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ..(22/يونس) وهي التي يسميها علماء الإرصاد بالعاصفة (Stormy) ، وهذه الريح تعصف عصفًا شديدًا، وتحمل وتدفع ، وتحرق عندما يكون فيها عمود من النار: (فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ..(266/البقرة). وهي ريح فيها صر: أي شديدة البرودة (كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ (117/آل عمران)، وهذا الإعصار يترافق دائما بالبرودة والأمطار فكيف تكون نواة الإعصار نارا؟ وهذه قدرة إلهية فهو فعَّال لما يريد. وظاهرة إعصار فيه نار ذكرها القرآن الكريم منذ 1447 عاما ، بينما أول توثيق علمي لها 2003م، والثاني 2012م في البرازيل ، والثالث في إعصار وحرائق أمريكا 2025م، وقدرت الخسائر منها( 250 – 275 مليارا دولار). والتهمت أكثر من 12 ألف منشأة، وأكثر من 40,000 فدان. وتزامنت هذه الحرائق مع الحرب على غزة ، وحينها استخدمت أمريكا حق الفيتو ثلاث مرات لمنع وقف الحرب ، والمطالبة من صناع القرار بأمريكا وأوروبا تمويل هذه الحرب. وتشير التقارير إلي انتقام الله سبحانه وتعالي لمظالم أهل غزة بهذه الريح (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ..(31/المدثر) ، فسبحان الحي القيوم يمهل ولا يهمل.
وريح قاصف: وهي التي تنشأ في البحار ويسميها العلماء “تايفونTyphoon”، ومصحوبة بصوت مرعب ، وتقصف السفن وتغرقها (قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ”(69/الإسراء)، وتقصف ما مرت عليه من الشجر والبناء.
وريح صرصر عاتية شديدة البرودة: وهي الريح التي سخرها الله عز وجل لهلاك عاد الأولى: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6/الحاقة) ، وهي التي فيها عذاب أليم (رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ”(25/الأحقاف) ، وهي الريح العقيم لأنها قضت على نسل قوم عاد (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41/الذاريات). : وكانت (تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20/القمر)؛ قال ابن كثير: كانت تأتي أحدهم فترفعه لأعلى ثم تنكسه على أمِّ رأسه، فيسقط إلى الأرض فتثلغ رأسه فيبقى جثة بلا رأس” ، ( فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7/الحاقة)؛ أي: جثث كأنها النخل إذا خرجت بلا أغصان.
وريح الجفاف أو الريح الموسمية: وهي التي تهب على أقاليم محصورة في المناطق المدارية وعلى أطراف القارات. وتتميز بأمطارها الصيفية الغزيرة وبجفاف معظم مناطق هبوبها في فصل الشتاء. وتهب في الخريف ، وفي الربيع تكون ساخنة ومحملة بالرمال وتكون سببًا في جفاف أوراق الأشجار والنباتات ، وتنشأ بسبب الاختلاف في درجة الحرارة بين اليابس والماء، وذكرها الله: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ(51/الروم)، والضمير في «رأوه» يعود إلى النبات كما في السياق أى: إذا أرسلنا عليهم ريحا معها الأتربة والرمال، فرأوا زروعهم قد اصفرت وأصابها ما يتلفها (التفسير الوسيط). ويقسم علماء الإرصاد الجوية الرياح على حسب اتجاهها إلى شرقية ، وغربية وشمالية وجنوبية وشرقية شمالية وقطبية.
وقال ﷺ: (لا تسبُّوا الرِّيْح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الرِّيْح وخيرَ ما فيها وخيرَ ما أُمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الرِّيْح وشر ما فيها وشرِّ ما أُمرت به(الترمذي). وقالت عائشة رضي الله عنها: (كان النبي ﷺ إذا عصفت الرِّيْح، قال: اللهم إني أسألك خيرَها وخيرَ ما فيها وخير ما أُرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشرِّ ما فيها وشر ما أرسلت به (رواه مسلم). فهل درس محمد علم الإرصاد والمتغيرات الجوية، وهل ركب البحر؟ أم هذا وحي العليم الخبير، وهذا التوصيف الدقيق لأنواع الريح والرياح سبق القرآن الكريم العلماء في بيانه مما يدل على صدق الرسالة وصدق الرسول، وأن القرآن والسنة بهما كنوز علمية.





























