نموذج متكامل بين القيم الدينية واحترام صوت الشعب
دور الخطاب الديني.. تعزيز الوعي الأخلاقي والسياسي للمواطنين
تقرير: محمد لملوم
تشهد مصر تحولات سياسية مهمة نحو ترسيخ مسار ديمقراطي يعكس إرادة الشعب ويضمن نزاهة العملية الانتخابية.
فقد شهدت المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية تجاوزات متعددة، تضمنت تلاعبًا وتوجيه ناخبين وحجب نتائج بعض الدوائر، ما أثار قلق المواطنين واحتاج لتدخُّل رئاسي لإعادة ضبط العملية الانتخابية في الدوائر المخالفة.
على إثرها أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات النتيجة الرسمية بإلغاء النتائج فى ١٩ دائرة إنتخابية من إجمالى ٧٠ دائرة، وعقب إعلان تلك النتيجة تلقّت المحكمة الإدارية العليا نحو ٢٥٠ طعنًا من دوائر المرحلة الأولى، وأعلنت أنها ستبدأ فورًا في تجهيز الملفّات تمهيدًا لعرضها على دوائر الفحص والفصل فيها، على أن تنظر الطعون اعتبارًا من الأحد (23 نوفمبر)، بعد تجهيز كافة الأوراق المطلوبة يوم السبت (22 نوفمبر)، بما يعكس حرص الدولة على الالتزام بالمسار القانوني والدستوري.
يتناول هذا التقرير، الجهود الرسمية والدينية لتعزيز العدالة والمساءلة، ودور البرلمان والخطاب الشرعي في بناء مجتمع مستقر، قائم على الشفافية واحترام إرادة المواطنين، بما يحقق توازنًا بين القيم الدينية والالتزام المدني والسياسي.
ومع تركيز القيادة السياسية على تفعيل دور البرلمان في ممارسة مهامّه التشريعية والرقابية وِفق إطار دستوري واضح، بما يعكس إرادة الشعب ويضمن نزاهة العملية الانتخابية ويعزّز ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة.
التحوّل الديمقراطي
يؤكد د. جمال أبو الفتوح محمد أبو الخير، وكيل كلية الحقوق بجامعة دمياط للدراسات العليا والبحوث، أن مصر تسير بخطوات متسارعة نحو ترسيخ مسار ديمقراطي أكثر نضجًا وفاعلية، فالقيادة السياسية أوْلَت اهتمامًا كبيرًا بتعزيز دور البرلمان ليؤدي مهامّه التشريعية والرقابية في إطار دستوري واضح، بما يعيد تشكيل الصورة الذهنية لدى الرأي العام حول فعالية المؤسسة التشريعية.

ويشير إلى أن تدخل الرئيس عبدالفتاح السيسى، شكّل لحظة فاصلة في تصحيح مسار العملية الانتخابية خلال مرحلتها الأولى، بعدما أدان السلوكيات غير المنسجمة مع الدستور والقانون، مؤكدًا استعداد الدولة لاتخاذ قرارات حاسمة «حتى لو تطلب الأمر إلغاء الانتخابات برُمَّتها». هذا الموقف دفع الجهات المعنية إلى إعادة ضبط العملية الانتخابية بما يضمن اتساقها مع القواعد الدستورية والمعايير القانونية.
ويشدد على أن إجراء انتخابات مجلس النواب بشكل قانوني ودستوري يتطلب الاعتماد على أسس دستورية واضحة تشمل تحديد الحق والواجب في المشاركة السياسية، وضمان الشفافية والنزاهة، وصياغة إطار قانوني منظم يحكم العملية الانتخابية بكامل مراحلها.
واجب وطني
ويلفت د. أبو الفتوح إلى أن الانتخابات ليست مجرد حق شخصي، بل هي واجب وطني تسهم من خلاله الدولة في تشكيل مؤسساتها العامة وتحقيق الصالح العام، مؤكدًا أن شرعية ممارسة الانتخابات تستند إلى الدستور المصري الصادر عام 2014 وإلى قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 45 لسنة 2014 وتعديلاته عام 2020، اللذين يحددان آليات وشروط الممارسة الانتخابية، ويشترطان نزاهة وشفافية كاملة في إطار مشاركة سياسية فعالة.
دور الهيئة
يضيف: العملية الانتخابية تمثل آلية لتمكين المواطنين من اختيار سلطاتهم العامة، فالهيئة الوطنية للانتخابات مارست دورها القانوني من خلال فحص الطعون والتظلّمات المتعلّقة بنتائج بعض الدوائر، وصولًا إلى قرارها بإلغاء نتائج بعض المقاعد وإعادة الانتخابات فيها، بما يعزّز الثقة في المنظومة الدستورية.
ويؤكد د. أبو الفتوح أن التطوّر الديمقراطي الحقيقي لا يكتمل دون إصلاح برلماني شامل يتوجّه نحو بناء برلمان ديمقراطي بمعناه الحقيقي، يقوم على مجموعة من المؤشّرات والمعايير، من بينها: تشكيل سليم للبرلمان يعكس الإرادة الشعبية، اختصاصات واضحة ومفعَّلة، شفافية كاملة في أعمال اللجان والجلسات، تمثيل عادل لكل فئات المجتمع سياسيًا واجتماعيًا وعِرقيًا، اتاحة المعلومات وإشراك الجمهور ومنظمات المجتمع المدني في المتابعة، أداء فعال على المستويين التشريعي والرقابي.
وفى المقابل تضع الشريعة الإسلامية مبدأ العدل في صدارة القيم التي تُبنى عليها شرعية الحكم واستقرار المجتمعات، وتتعامل مع أي تلاعب بإرادة الناس بوصفه اعتداءً صريحًا على حق الأمّة وخيانة للأمانة. ومن هذا المنطلق يؤكد المتخصصون أن نزاهة الانتخابات ليست مجرد إجراء سياسي، بل واجب ديني وأخلاقي يرسخ الثقة بين الدولة والمواطن ويحفظ مكانة الشورى كركيزة أساسية في الحكم الرشيد.
أساس الحكم
من جانبه يؤكد د. عبدالرحمن أشرف عبدالعزيز، مدرس الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، أن العدالة تمثل قاعدة صلبة لأي نظام حكم رشيد، وأن الشريعة الإسلامية وضعت معايير واضحة تُحرِّم كل ما من شأنه التلاعب بإرادة الناس. وأي عبث بنتائج الانتخابات لا يُعد مجرد مخالفة إجرائية، بل جريمة أخلاقية وشرعية تُقوّض الثقة العامة وتهدم العقد بين الدولة والمجتمع.

ويشير إلى أن النصوص الشرعية جاءت حاسمة في هذا الباب؛ فقول النبي: «من غشّنا فليس منا» يضع حدًّا فاصلًا بين الحق والباطل، ويشمل بحسب وصفه كل صور الخداع والالتواء، ومنها بالطبع المساس بحق الأمة في اختيار من يمثلها. ويستشهد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ﴾، ليؤكد أن إقامة القسط ليست خيارًا، بل واجبًا شرعيًا لا تساهل فيه.
ويشرح أن التصوّر الإسلامي للحكم يقوم على توازن دقيق بين سُلطة الحاكم وحقوق المواطنين، يقوم جوهره على مبدأ الشورى، الذي يجعل الأمّة شريكًا أصيلًا في القرار العام ويمنع الانفراد بالسلطة. فالحاكم- كما يؤكد- وكيل عن الأمة، مُلزَم برعاية مصالحها وتحقيق العدل، وتقوم شرعية الحكم على قدر التزامه بهذه المسئولية.
أما آليات النزاهة والشفافية في المنظور الشرعي، فيوضّح أنها تبدأ من تحريم الغش والرشوة وتمر عبر إرساء مبدأ الأمانة في تحمّل المسئوليات، ثم تمتد إلى تعزيز الوضوح في إدارة الشأن العام وترسيخ ثقافة الوعي والمساءلة داخل المجتمع. وكلها عوامل تكفل أن تُدار العملية الانتخابية “بصدق كامل يعكس إرادة المواطنين دون تشويه“.
واجب ديني
ويؤكد د. عبدالرحمن أن الشريعة الإسلامية تقدّم نموذجًا متكاملًا يوازن بين القيم الدينية واحترام صوت الشعب، ويرسّخ أن نزاهة الانتخابات ليست مجرد مطلب قانوني، بل واجب ديني وأخلاقي يحفظ استقرار المجتمع ويصون كرامة الأمّة.
وفي ظل حالة الجدل التي أثارتها التجاوزات السياسية الأخيرة وما ترتّب عليها من اهتزاز في ثقة المواطنين بالمؤسسات، يبرز سؤال العدالة كأحد أهم المحاور التي يتقاطع عندها الديني بالاجتماعي والسياسي. ويأتي صوت العلماء والدعاة ليعيد التذكير بأن قيم النزاهة واحترام إرادة الناس ليست ترفًا أخلاقيًا، بل أساس لاستقرار المجتمع وصون توازنه. مما يحتاج إلى رؤية شاملة تربط بين آثار الاختلال السياسي ودور الخطاب الديني في إعادة بناء الثقة العامة.
ركن أساسي
ويؤكد د. ياسر مغاوري، إمام مسجد الحسين الأسبق وإمام مسجد القدس بالتجمّع الخامس، في رؤيته أن “العدالة في الميزان بين قيم الدين وإرادة الشعب” ليست مجرد عنوان عام، بل إطار تفسيري لفهم ما يعتري المجتمع من تراجع أخلاقي وسياسي عند غياب الانضباط والشفافية.

ويشير إلى أن العدالة تمثل ركنًا أساسيًا في بناء المجتمعات واستقرارها، غير أن التجاوزات السياسية حين تقع تترك أثرًا عميقًا في الروح الأخلاقية العامة؛ فهي تضعف الثقة، وتشيع الشعور بالظلم، وتدفع بعض الأفراد إلى التكيّف مع واقع مختل لا تحكمه القواعد بل الأفعال الاستثنائية. ومع الوقت تتضرر منظومة الأخلاق التي تقوم عليها المشاركة المدنية الصحيحة.
وفي سياق تحليله لدور المنابر الدينية، يؤكد أن الخطاب الديني دوره محوري في إعادة التوازن. فهو يستند إلى مبادئ راسخة تؤكد أن الأمانة في المسئولية، والعدل في الحكم، واحترام إرادة الناس ليست مجرد خيارات سياسية بل واجبات شرعية. وحين يقدّم الخطاب الديني نفسه بلُغة واعية، بعيدة عن التوظيف الضيق، يمكنه أن يعزّز وعي المواطنين بقيم النزاهة والالتزام، وأن يضع حدودًا أخلاقية لا يجوز تجاوزها في الممارسة السياسية.
ويختتم د. ياسر رؤيته بالتأكيد على أن استعادة الثقة مسئولية مشتركة؛ فالمواطنون يحتاجون إلى شفافية حقيقية، محاسبة جادة، عودة صادقة لمبدأ تكافؤ الفرص. كما يحتاجون إلى فتح مساحات للحوار، يشعر فيها الجميع بأن صوتهم مسموع وأن كرامتهم مصونة. وحين يرى الناس أفعالًا تصحّح الأخطاء لا أقوالًا تبرّرها، يمكن للثقة أن تعود، وللمجتمع أن يستعيد توازنه الأخلاقي وقُدرته على بناء مستقبل يقوم على العدل واحترام إرادة الشعب.




























