واجه النبي العنف ضد المرأة، فكانت السيرة النبوية بمثابة ثورة اجتماعية وثقافية علي كل أشكال العنف ضد المرأة والطفل. فالحياة الهادئة أمنية كل إنسان فمنذ أشرقت شمس سيدنا النبي فكان ميلاده فجرا جديدا للأسرة وبثّ المودّة والرحمة والتسامح بين أفرادها فكان يري المرأة روحا كاملة، فالحياة الأسرية قائمة ومبنية على المودة والرحمة بين أفرادها، ومتى تحققت المودة والرحمة وصارت منهج حياة داخل الأسرة سرت هذه الروح في المجتمع كله، فإذا لم تتحقق هذه الروح داخل الأسرة فمن الصعوبة البالغة تحققها في المجتمع، فمن لا خير فيه لأهله وأقرب الناس إليه فلا خير فيه فقال النبي: “خَيرُكم خَيرُكم لأهلِه” فلم يقل “لا تضربو ” وحوّل المعركة من ساحة الجسد الي ساحة الروح، أراد أن يعلّم الرجال أن القوة في الاحتواء قال “إنما النساء شقائق الرجال”، وتقول أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها: “ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما”، فكان رحيما ليّن القلب بشوش الوجه متبسما، يقول تعالي “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” هذه الآية دستور حماية للجميع من أشكال وأنواع العنف.
كان يعامل زوجاته باللطف يداعبهن ويسمعهن من الكلام ما يليّن القلب، كانت بيوته واحات من السلام والمودة والرحمة، قال رسول الله: “استوصوا بالنساء خيرا” فغيّر كل المفاهيم، وعمل على نشر المودة والرحمة بين الناس كان يكرم ابنته فاطمة ويقف لها اذا دخلت عليه يقبّلها ويجلسها الي جواره معلّما أمّته أن احترام الأنثى ليس مؤقّتا بل جزء من الإيمان،
على أن الرحمة والمودة عملية لا يمكن أن تتم من طرف واحد، فالحياة أخذ وعطاء متبادل بين الجميع، وليست أخذًا فقط.
وإذا كانت الرحمة والمودة مطلوبتين في حياتنا وعلاقاتنا كلها، فإنهما بين الزوجين أوجب،
يقول سبحانه: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” لقد كانت رسالته- صلى الله عليه وسلم- ثورة علي كل ما يقلل من شأن المرأة وتأكيد علي انها شقيقة الرجل في الإنسانية لا تابعة له. جعل الله المودة والرحمة بين الزوجين والعنف ضد المرأة يتناقض تماما مع وصف القرآن للعلاقة الزوجية يقول سبحانه: “هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ”، ويقول نبينا في خطبته الجامعة في حجّة الوداع: “ألا وإن لكم على نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا”. ويقول “فاتقوا الله في النساء”.
فالأمر قائم على السكن والمودة والرحمة والسكينة والحقوق والواجبات المتبادلة، بعيدًا عن كل ألوان الغَلبة والاستعلاء، فالحياة الزوجية لا يمكن أن تستقر في أجواء الغَلبة والقهر، إنما تستقر في أجواء التقدير والاحترام المتبادل، وإذا كان ديننا الحنيف قد احترم آدمية الإنسان وكرامته الإنسانية فقال سبحانه: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ”، حاثًّا بذلك على إكرام الإنسان لآدميته كونه إنسانًا، فكيف لا يكرم كل زوج من ذكر أو أنثى زوجه الذي اختاره الله له معينًا في مسيرة حياته؟!
فلماذا لا تكون الكلمة الأفضل والأحسن والأرحم والأجمل هي المفرَدة السائدة في حياة الناس الزوجية، والأسرية، وقد بيّن الحق سبحانه الفارق الكبير بين الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة، فقال: “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ”.
ما أحوجنا الي التراحم الأُسري والكلمة الطيبة ومراعاة كل من الزوجين شعور الآخر في كل كلماته وحركاته وسكناته، بما ينعكس إيجابًا على الجو الأسري بصفة عامة وسلوك وحياة وتنشئة أبنائنا بصفة خاصة، فصحّة الأبناء النفسية وسلوكهم المجتمعي مرتبطان إلى حدٍّ كبير بجوّ الأسرة وحالها من المودة والوئام، أو الفرقة والشقاق، وهم أمانة في أيدي الأبوين، وكل منّا مسئول عن رعيته حفظ أم ضيع يقول النبي “أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَن رعيته”.
الحياة الهادئة الهانئة المستقرة تتحقق بنبذ العنف والتغافل وإعلاء قيمة العفو والتسامح الإنساني، والتحلّي بمكارم الأخلاق.





























