لم يعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي مقتصرًا على الترفيه أو تبادل المعلومات فحسب، بل أصبح ظاهرة اجتماعية وثقافية تشكّل طريقة تفكير الناس، وتؤثر في سلوكياتهم وقيمهم وحتى علاقاتهم الإنسانية. فالسوشيال ميديا بما تحمله من سرعة وجرأة وانفتاح كشفت الكثير من الأخلاق، وأثّرت في كثير منها، وخلقت واقعًا جديدًا لا يمكن تجاهله. والسؤال اليوم: كيف نحافظ على أخلاقنا في زمن يتغير فيه كل شيء بضغطة زر؟
من يتأمل ما يُنشر على المنصات يدرك أن الكثير من القيم التي كانت ثابتة في حياتنا بدأت تهتز أمام تيار “اللا حدود”. فالكلمة التي كانت تُوزَن بميزان الذهب، أصبحت تُقال دون تفكير؛ والصورة التي كانت لها قداسة خصوصية، صارت تُنشر بدون وعي. كثيرون يظنون أن العالم الافتراضي منفصل عن الواقع، فيتصرفون فيه كما لو أنهم خارج مسئولية الأخلاق، مع أنهم في الحقيقة يُحاسَبون على الكلمة والصورة والسلوك تمامًا كما يُحاسَبون في الواقع.
لقد خلقت السوشيال ميديا ثقافة مُرهِقة تقوم على مقارنة الإنسان نفسه بما يراه من مظاهر حياة الآخرين. فصور السفر والطعام والنجاحات تُعرَض غالبًا دون خلفياتها الحقيقية، ومع ذلك يتولد لدى المشاهد شعور بالنقص والضغط. هذه المقارنات المستمرة تنتج أخلاقًا جديدة تقوم على الغيرة، والبحث عن الظهور، والسعي المحموم وراء القبول الاجتماعي، بدلًا من السعي وراء القيم الحقيقية كالتواضع والرضا والقناعة.
ومن مظاهر التراجع الأخلاقي في زمن السوشيال ميديا ما أصبحنا نراه من مشادات لفظية، وتنمّر، وسخرية، واتهامات متبادلة. فبدلًا من الحوار الرشيد الذي يسمع فيه الناس بعضهم، أصبح الكثيرون يمارسون “إطلاق الأحكام” و”اغتيال الشخصيات”. وما غابت الأخلاق عن فضاء إلا وعمّت الفوضى فيه، والسوشيال ميديا ليست استثناء.
إن الحفاظ على الأخلاق في هذا العصر يحتاج إلى وعي رقمي لا يقل عن الوعي الديني أو الاجتماعي. فالمستخدم مسئول عن كل حرف يكتبه، وكل معلومة ينشرها، وكل صورة يشاركها.
ورغم كل ما سبق، فإن السوشيال ميديا قدمت فرصًا عظيمة لنشر الخير والعلم والدعوة، وأعادت إحياء روابط بشرية كانت منقطعة، وفتحت أبواب رزق لكثيرين. لكن المشكلة ليست في المنصات، بل في طريقة استخدام الإنسان لها. وإذا تزوّد المستخدم بالأخلاق، تحولت هذه الوسائل إلى مصدر وعي وتنوير واتصال إنساني ثمين.
أخلاقنا في زمن السوشيال ميديا هي معركة يومية بين ما نؤمن به وما نراه من مغريات وضغوط. والانتصار فيها يبدأ من الداخل: من وعي الإنسان، واحترامه لنفسه وللآخرين، وقدرته على أن يكون صادقًا ومهذبًا ومتوازنًا في عالم سريع لا يعرف الصمت. وفي النهاية، تبقى الأخلاق هي البوصلة التي يجب ألا نفقدها، مهما تغيرت الأدوات وتبدلت العصور.





























