نعلم ان الثقافة العربية موروث حضارى اثاره ممتدة فى نفوس افراد المجتمع ،و يعمل المجتمع باستمرار على ترسيخ قيمها ومميزاتها ، فالثقافة بمفهومها العام هى الاسلوب الذى يمارسه الفرد فى الحياة اجمالا ، هى النظام الاجتماعى المتعارف عليه بين الناس فى كل مجتمع ، بما له من معتقدات وعادات وتربية وتعليم ، هى واسطة من وسائط المحافظة على الامة وايصال فكرها وايراثها من السلف الى الخلف .
وتعد الثقافة العربية من ارفع الثقافات العالمية واوفاها فى المفردات اللغوية واغناها فى التراث الثقافى ، ذلك انها ثقافة لها اصالتها المتجذرة فى اعماق الماضى ولها ابعادها الحقيقية فى الارتقاء بالانسان فكريا وثقافيا واجتماعيا ، بحكم انها تتصل بذاتية الفرد وتنبسط على مساحة المجتمع ومن ثم فانها تعمل على توثيق عرى الاتصالات الفكرية والثقافية.
ويلخص عباس محمود العقاد فى كتابه ( الثقافة العربية ) مفهومه عنها فيقول :”انها مجموعة من القيم والعادات والتقاليد والمعارف التى تميز جماعة ما ، والعرب هم جماعة بشرية ينسب اصلها الى (يعرب بن قحطان ) على ارجح الاقوال ، وقد انتجت هذه الامة -خلال حياتها – ثقافة من اقدم الثقافات التاريخية ، فطوروا ابجدياتهم الخاصة للكتابة ، ليأخذها اهل الامم الاخرى منهم فانتجوا ابجدياتهم الخاصة ، كما نقلوا بعض الكلمات العربية الى لغاتهم ، اما الشعر العربى فقد اصبح فنا مستقلا له قواعده الخاصة وبحوره المعروفة ، فى وقت كانت الفنون المماثلة عند الامم الاخرى مجرد نصوص لا تلتزم الوزن والقافية ” .
ولا ننسى مقولة العقاد المشهورة “ومن العرب تعلم اليونان صناعات الحضارة … وانهم نقلوا فى البداية العلوم والثقافة المعرفية عن المصريين ، والعرب فى بلاد ما بين النهرين ،ولو انهم طوروا تلك العلوم بعد ذلك .
ومن يريد الاطلاع على ثقافة العرب تكفيه اطلالة فى اشعارهم فقد كان الشعر ديوانهم الحافظ لثقافتهم وفكرهم ومعارفهم والحافظ للغة وتطورها قبل نزول القران الكريم ، وبعد النزول اصبح الكتاب المبين حاميا لبقاء اللغة العربية . والجامع لكل المسلمين على كلمة سواء .
واصبحت القصيدة العربية التى قد تفنن الشعراء فى نظمها ونسجها هى علاقة التواصل الثقافى بين العرب وسميت فى العصر الجاهلى لطولها بالممعلقات كانوا يجتمعون فى سوق عكاذ لالقائها على السامعين من اهل قريش فكانت تلك القصائد تحكى حياتهم وتصف طبائعهم وعاداتهم وتقاليدهم وما وصفوا به من كرم وفروسية وشهامة وغير ذلك من صفات ، حتى صار الشعر اهم مصدرلهويتهم الثقافية “. ، وظلت القصيدة بعد ذلك تمر باطوار من التجديد ومازالت الى اليوم هى الحقل الماتع لبيان ثقافتنا العربية .
والعقاد من خلال صفحات كتابة الثقافة العربية يؤكد على اسهامات العرب الكبيرة فى الثقافة الانسانية ، تلك الاسهامات التى لم تترك مجالا ثقافيا الا وكان لها فية سهم ودور ، بداية من الفنون وانتهاء بالفلسفة والحكمة .
ان الثقافة العربية بمفهومها الواسع هى ثقافة الشعوب التى دخلها الاسلام واصبحت اللغة العربية هى اللغة السائدة التى يتحدث بها جميع افراد المجتمع سواء من اعتنق الاسلام او من بقى على معتقده ، حتى انهم يقيمون شعائرهم فى الكنائس باللغة العربية ، والمسلمون من غير العرب يصلون ويقرؤن القران باللغة العربية .
ان الثقافة العربية هى ذلك النسيج الكلى المركب الذى تحتويه اللغة من المعرفة والعادات والتقاليد والقيم الاخلاقية والقانونية والفن ،وكثير من الامور المكتسبة من انصهار افراد المجتمع فى بوتقة الثقافة الشاملة ، حيث يشعر الفرد بوطنيته وحبه الشديد لارضه التى ينتمى اليها وانها جزء من وطن عربى كبير يمتلك قدرات هائلة للبقاء شامخا بين الامم ، فنجد الشعراء يتغنون بحب الوطن قديما وحديثا ، فها هو ابن الرومى يقول :
ولى وطن اليت الا ابيعه وألا ارى غيرى له الدهر مالكا
فقد ألفته النفس حتى كأنه لها جسد ان بان غودر هالكا
فهذه رؤية الشاعر لاهمية الوطن حتى انه يتخيله جسدا لنفسة لا يمكن الانفصال والبعد عنه .
وفى الاونة الاخير نلمس ادراك المجتمع وقادته لاهمية ثقافة الفرد التى اصبحت ضرورة ، لان المثقف هو الذى يتعدى احساسه الذاتى الى الاحساس بالاخر والاحساس بالمجتمع ككل لتلبية احتياجاته التنويرية ، هو ذلك الفرد المتحضر الذى يسلك سلوكيات تتلائم وتساهم فى الارتقاء بالوطن الذى يعيش فيه ، ولكى يكون الانسان متحضرا لابد ان يكون مثقفا .
اذا الثقافة هى ادراك الفرد لقدر مقبول من العلم والمعرفة ، فى شتى مجالات الحياة ، فان زيادة معدل الوعى الثقافى لدى الفرد مرتبط بزيادة نشاطه ومطالعاته واكتسابه للخبرات فى الحياة ، فيصبح حينئذ عنصرا فعالا وبناء للمجتمع





























