بقلم: د. محمد النادي البحيري
بوزارة التربية والتعليم
إن العربية ليست حروفًا تُكتب، ولا أصواتًا تُنطق، بل هي روح أمة، وجذور حضارة، ومجد تعاقبت عليه الأجيال جيلًا فجيلًا، ولله در الإمام الشافعي حين وصفها بعبارته الخالدة:” إن العربية أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي “.
وفي جمالها يتغزل الفراء: «وجدنا للغة العرب فضلًا على لغة جميع الأمم اختصاصًا مـن الله تعالى وكرامة أكرمهم بها، ومن خصائصها أنه يوجد فيها من الإيجاز ما لا يوجد في غيرها من اللغات»
هؤلاء عرفوا للعربية قدرها، فأبت إلا أن تخلِّد ذكرهم! وما أصدقَ حافظ إبراهيم حين قال: ” وَكَم عَزَّ أَقوامٌ بِعِزِّ لُغاتِ”!
وما أبلغ الشعار الذي أطلقته منظمة اليونسكو للاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية لهذا العام موسومًا بـ «مسارات مبتكرة للغة العربية: سياسات وممارسات من أجل مستقبل لغوي أكثر شمولًا» كنداء موجه لكل عشاق العربية، ومؤسسات تعليمها: أنِ ابتكروا أساليب ووسائل تجذب المتعلمين إليها جذبًا، سواء في المدرسة، أو في الجامعة، أو في مواقع التواصل، أو في المساجد، أو في منابر الإعلام المسموعة منها والمرئية والمقروءة؛ حتى يتغنى بها الطفل، ويستعين بها الباحث، وحين يطلبها الغريب لا يحجبها عنه حجاب.
ومن أجل أن يتحقق هذا لا بد من وضع سياسات لغوية تستضيئ بها المؤسسات التعليمية والثقافية، مثل سياسات: التعريب، ووضع المعاجم الحديثة لا سيما معاجم المصطلحات العلمية والتقنية، وإلزام الوزرات والهيئات الحكومية استخدام اللغة الفصحى الخالية من الأخطاء كلغة رسمية، وتعريب القضاء والإدارة في الأقطار العربية كافة، وإدخال العربية في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة اللغوية… فجميعها أضحت ضرورة للارتقاء بلغة الضاد، لغة القرآن الكريم، فاللغة التي ترسم لها سياسات متينة وشاملة تنهض وتزدهر، وغير خفي أن العربية مرنة صالحة لكل الأزمنة تسع كل الآلات والمخترعات، وفي هذا يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم:
وَسِعتُ كِتابَ اللَهِ لَفظًا وَغايَةً وَما ضِقتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ
فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصفِ آلَةٍ وَتَنسيـــقِ أَسماءٍ لِمُختَرَعاتِ
ولا مناص من ممارسات جادة تترجم هذه السياسات اللغوية إلى واقع يبعث الاستعمالات العربية الصحيحة من مرقدها، ويسمو بها، مثل: تشجيع المحتوى الرقمي العربي عالي الجودة، واستخدام اللغة العربية الفصحى في قاعات الدرس، واللافتات، وعقد مسابقات في الإلقاء والخط العربي، وتدريب الموظفين في القطاعات المختلفة على الفصحى الوظيفية، وإلزام المنابر الدعوية، والإعلامية المختلفة باللغة التي ترتقي بذائقة الجمهور، وتدريب المعلمين في سائر التخصصات على استخدام اللغة الفصحي في قاعة الدرس، وضرورة تواجد مراجعين لغويين أكفاء في المكاتب الفنية للمسئولين في المؤسسات المختلفة؛ كي تكون البيانات والمرسومات الصادرة عنهم في أبهى صورها، في ثوب قشيب يليق بجلال الضاد.
إن العربية تستحق منا أن نبذل في سبيلها كل ما يليق بلغة أنزل الله بها خير كتبه، فجعلها تتيه بهذه المنقبة على سائر اللغات…إنها باقية ما بقيت الدنيا، ومستمرة ما نبض قلب، ونطق لسان، ورضي الله عن الإمام أبي منصور الثعالبي الذي قال: “من أحبّ الله تعالى أحبّ رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن أحبّ النبي العربي أحبّ العرب، ومن أحبّ العرب أحبّ اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبّ اللغة العربية عُني بها، وثابر عليها وصرف همته إليها، إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد”.































