بقلم الدكتورة: سوسن حسانين الهدهد
وكيلة للدراسات العليا والبحوث
بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات
بالقاهرة جامعة الأزهر
تتعدد المستويات اللغوية للفصحى والعامية فى كل بلد عربى، فهناك الفصحى، والعامية، وليس هذا جديدا على العربية، بل كان موجودا في العصر الجاهلي، حيث كانت للعرب لهجاتٌ عديدة طالما كان الاختلافُ بينها ظاهرًا وشديدًا حتى عهدٍ قريب من نزولِ القرآنِ الكريم، وتمكَّنت العربيةُ من التغلبِ على هذه اللهجاتِ العربية المتعددة حين شكلت خطابَ الشعر قبل الإسلام، وخطابَ القرآن بعد الإسلام، لكنها تراجعت أمام زحفِ العاميات التى ظهرت إثر احتكاك العرب بغيرهم أثناء الفتوحات الإسلامية، حيث شاع اللحن على الألسنة، واستمرت هذه العامياتُ فى تأسيس بنيتها، ومزاحمة الفصحى، حتى اتضحت سماتُها فى كل مستويات اللغة، فظهر انحرافٌ فى الجانب الصوتى، وانحراف فى الصيغ، وفى التراكيب، بل وفي الدلالة أيضا، والانحرافُ صورةٌ من صور العامية، وخطوة من خطواتها لتأصيل بنيتها، استعدادا لمقاربة الفصحى والتغلب عليها.
وقد تنبه علماؤنا القدامى كابن خلدون وغيره إلى هذا الخطر الذي يُهدِّد لغة القرآن الكريم، فقاموا برصد هذه الانحرافات على كافة المستويات، ووضعوا الكتبَ والمؤلَّفاتِ التى تُنَبِّه على خطر هذا الأمر، وتحذر من سوء عاقبته، وتَحُد من انتشاره، ومن أهم تلك المؤلفات: كتاب ما تلحن فيه العامة للكسائي ( 189ه)، وإصلاح المنطق لابن السكيت (244ه) وكتاب أدب الكاتب لابن قتيبة ( 276ه)، ولحن العوام للزّبيدي ( 379ه) الذي يعد أول إسهام للأندلسيين في حركة التصويب اللغوي، وإصلاح لحن عامة الأندلس في ذلك العصر، واستمر التأليف في إصلاح لغة العامة ورد اللحن حتى عام ( 1087ه) فوصلت المؤلفات إلى نحو تسعة وأربعين كتابا حسب قائمة أعدها أ.د رمضان عبد التواب، وقيل: زادت عن ستين كتابا.
كما أن المغالاة في تتبع العامي وتخطئته على وجه العموم، حملت بعض اللغويين قديما على اتخاذ منحى جديد في التأليف اللغوي يهدف إلى إنصاف بعض الألفاظ العامية التي وُصِفت بالخطأ رغم صحتها؛ لأن الكشف عن الألفاظ الفصيحة وتأكيدها لا يقل أهمية عن إصلاح الألفاظ الفاسدة المحرَّفة، فبدأت تظهر المؤلفات التي تنتصر لتلك الألفاظ الفصيحة أو الفصيحة الأصل، منها: تثقيف اللسان وتلقيح الجنان لابن مكي الصقلي (501ه) الذي يعد من أوائل ما كُتِب في الدفاع عن فصاح العامية، والمدخل إلى تقويم اللسان لابن هشام اللخمي ( 577ه) ، وبحر العوام فيما أصاب فيه العوام لرضي الدين بن الحنبلي ( 971ه) الذي يُعد من أوسع وأدق ما كُتب في فصاح العامية، وكان ” بحر العوام” يدور حول ما تتداوله العامة في بلاد الشام، كما في نحو: فلان يِشرب، ويِطرب، ويِلعب بكسر الياء التي هي إحدى حروف المضارعة، وهي لهجة من لهجات العرب كانت تعرف ب ( تلتلة بهراء)، ولا تزال تلك اللغة مستعملة في مصر حتى الآن، ومنه: هي عطشانة وسكرانة، بتأنيث الصفة المشبهة (فعلان) بالتاء،وهي لغة بني أسد، ومما كُتِب في الدفاع عن فصاح العامية -أيضا: دفع الإصر عن كلام أهل مصر للشيخ يوسف المغربي ( 1015ه) وقد ألف الشيخ هذا الكتاب لدفع ما يُوجَّه إلى معظم مفردات العامية المصرية من نقد، ولم يصل إلينا هذا الكتاب محققا، لكن وصل إلينا مختصره وهو: “المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب” لمؤلفه محمد بن أبي سرور (1087ه )
والكتابان لدراسة لغة المصريين وتغير دلالاتها، ويغلب عليهما الكلمات الصحيحة أو التي لها وجه مقبول في العربية.
واستمر التأليف المعجمي في فصاح العامية حتى عصرنا الحاضر، بل نشطت حركة التأليف فيه في العصر الحديث لمحاولة رد الاعتبار إلى الفصيح من كلام العامة، والذي تتوهم الخاصة عاميته، فتتواصي بالعدول عنه، من هذه المؤلفات: تهذيب الألفاظ العامية للشيخ محمد علي الدسوقي، ومعجم رد العامي إلى الفصيح للشيخ أحمد رضا، ومعجم فصاح العامية لهشام النحاس، ومعجم العامي الفصيح من كلام أهل الشام للدكتور رضوان الداية، وأصول العامية لحسن توفيق العدل، والدليل إلى معرفة العامي والدخيل لرشيد عطية، ومعجم الألفاظ العامية اللبنانية للدكتور أنيس فريحة، وغيرها.
وأما معجم تيمور الكبير في الألفاظ العامية فقام على إيراد الألفاظ العامية، وفي أحايين قليلة يُورِد الكلمة الصائبة أو الفصيحة، كما صُنِّفت معاجم للهجات العامية البحتة التي أوردت ألفاظا ليس لها جذر في العربية، أو غيرتها العرب تغييرا لا يُلمَح معه أصله، ويرى بعض الباحثين أهمية هذا النوع، بل وينادي بتصنيف معجمات للهجة العامية، ظنَّا منهم أن هذا مما يخدم العربية الفصحى، لكن الحقيقة أن هذا النوع لا يُمكِن أن يُثري العربية؛ لأن العامية متغيرة باستمرار، وتصنيف معاجم للهجات العامية سيساعد على قطع العلاقة بين العرب وتراثهم وقرآنهم ودينهم، وعلى أن تكون الفصحى على مرور الزمن لغة غريبة عن أهلها لا يعرفها إلا المتخصصون.
والأَوْلَى: تصنيف معجمات في فصاح العامية، تجمع الألفاظ العامية الفصيحة أو التي لها أصول فصيحة، لمحاولة تيسير استعمال العربية، وتقريب مستوى الخطاب اليومي الشفهي من مستوى الخطاب الكتابي، مما سيكون له أكبر الأثر في الحفاظ على الصحيح المستعمل من كلام العرب وألفاظها، وإثراء المعاجم اللغوية بالدلالات الجديدة التي تتناسب مع العصر الذي نعيش فيه.
ويلتزم مصنفو هذا المعجمات بضوابط محددة، منها: إيراد الألفاظ الفصيحة أو التي لها أصل فصيح، مع ضرورة ضبط الكلمات صوتيا وصرفيا؛ لأن إهمال الضبط يترتب عليه تغير الدلالات، واعتبار لهجات العرب القديمة كلها حجة، وقياس ما شاع من كلام العامة عليها، فقد كان نهج ابن جني هو” أن لغات العرب كلها حجة، وأن المتكلم إذا وافق واحدة منها مصيب، لكنه مخطئ لأجود اللغتين” وهذا يعني أن هناك جيدا وأجود، وراجحا وأرجح، وفصيحا وأفصح، ولما كان من العسير أن يستعمل كل الناس الأفصح والأجود، فيمكن التنبيه على استعمال الأفصح إن أمكن على مستوى الخطاب الكتابي، واستعمال الفصيح أو المرجوح على مستوى الحديث اليومي الشفهي، لأن الهدف الأساس من معاجم فصاح العامية أن يُرتفع بمستوى الخطاب اليومي الشفهي إلى مستوى الخطاب الكتابي ما أمكن ذلك، جاء رجل لأبي عمرو بن العلاء، وقال له:” أخبرني عما وضعت مما سميت عربية، أيدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا، فقال: كيف تصنع فيما خالفَتْك العرب فيه وهم حجة؟ فقال: أحمل على الأكثر وأسمِّي ما خالفني لغات”، وهذا يعني أن الكلمة إذا وردت على القياس النحوي والصرفي فُضِّلت على غيرها.































