متابعة_ محمد لملوم
في أجواء ثقافية تجمع بين رصانة المكان وعمق الرسالة، نظَّم مجمع اللغة العربية بالقاهرة احتفاله السنوي باليوم العالمي للغة العربية، داخل قاعته الرئيسية بالزمالك، بحضور نخبة من العلماء والمفكّرين من مصر والعالم العربي، إلى جانب عدد من الباحثين الأجانب والدبلوماسيين، يتقدّمهم د. حسن الشافعي- رئيس اتحاد المجامع اللغوية العربية- د. عبدالحميد مدكور- أمين عام المجمع- وسفير كندا بالقاهرة، في احتفالية عكست الحضور الدولي للغة الضاد.
أوضح د. عبدالحكيم راضي، عضو مجمع اللغة العربية، أن الاحتفاء بـ”العربية” لم يعد طقسًا رمزيًا، بل ضرورة ثقافية في ظل ما تواجهه من تحديات. وإن العربية “وطن يسكننا قبل أن نسكنه”، داعيًا إلى وقف تهميشها في الخطاب الرسمي والممارسات اليومية، ومشدّدًا على قُدرتها التاريخية على استيعاب العلوم والمعارف.

رؤية المجمع
وأكد د. عبدالحميد مدكور، أن وحدة الصف والوفاء للغة هما المدخل الحقيقي لعبور التحديات الراهنة. واعتبر أن مجمع اللغة العربية يمثل إحدى أدوات القوة الناعمة المصرية، وليس مؤسسة منغلقة، بل منبرًا مفتوحًا للتفاعل مع المجتمع. وأشار إلى انخراط المجمع في قضايا العصر، وفي مقدّمتها الذكاء الاصطناعي، باعتباره أفقًا جديدًا لتعزيز حضور العربية في المجال الرقمي.
وعاء معرفي
وفي مداخلة علمية، شدَّد د. حافظ شمس الدين، أستاذ الجيولوجيا بجامعة عين شمس وعضو المجمع، على أن “العربية” كانت ولا تزال وعاءً حضاريًا قادرًا على استيعاب طوفان المعرفة العالمي. واستعرض سبق العلماء العرب في تأسيس علوم عديدة، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على تعريب المصطلحات، بل يمتد إلى تعريب الفكر العلمي وبناء ثروة معرفية عربية قادرة على المنافسة.
تجربة مصرية
ومن منظور تاريخي، قدّمت د. تغريد عبدالعاطي، أستاذ الأدب المصرى بكلية الآداب جامعة القاهرة، قراءة تحليلية لمسار تعريب مصر، مؤكدة أن العربية لم تُفرض بقرار سيادي، بل عبر تعايش إنساني ولغوي سبق الفتح الإسلامي. واستعرضت مراحل الانتقال من الازدواجية اللغوية إلى السيادة، ودور القرآن في ترسيخ العربية لغةً للوجدان والتدوين، مبرزة خصوصية المدرسة المصرية في التأليف والمعاجم.
امتداد أفريقي
وفي رحلة خارج الحدود، تناول د. أحمد الثقبي، أستاذ اللغويات بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر، أثر العربية في شرق أفريقيا، مؤكدًا أن اللغة السواحيلية نتاج تمازج عربى أفريقي ممتد عبر قرون. موضحا أن “العربية” كانت الأداة الكبرى لنقل المعارف الدينية والعلمية، ولا تزال حاضرة في وجدان ملايين المتحدثين.
لمسة شعرية
وتخلّلت الفعاليات لحظات وجدانية، ألقى خلالها د. الشاعر نصر عبدالقادر أبياتًا شعرية احتفاءً بجمال اللغة العربية وثرائها، لتمنح القاعة بعدًا إنسانيًا يعكس الصلة الوثيقة بين اللغة والإبداع.
رسالة دبلوماسية
وفي كلمة لاقت تفاعلًا لافتًا، تحدّث السيد أولريك شانون- سفير كندا بالقاهرة- عن تجربته الشخصية مع “العربية”، واصفًا تعلّمها بأنه “مشروع حياة”، ومؤكدًا أن الدبلوماسية الحقيقية تبدأ بفهم روح الشعوب من خلال لغتها، مشيدًا بدور المجمع كجسر للتواصل الحضاري.
طريق الحرير
بدوره، استعرض د. محمود فؤاد، مستشار وزير التربية والتعليم، تجربة انتشار “العربية” في وسط آسيا، مؤكدًا أنها لم تنتشر بالقوّة، بل عبر التخطيط اللغوي والمعايشة الإنسانية، كاشفًا عن صمودها في وجه محاولات الطمس، وعودتها القوية بعد عقود من التهميش.
قراءة نقدية
وفي طرح علمي جريء، أثار د. جون نيكولا درويل، مدير معهد الدومينيكا للدراسات الشرقية بالقاهرة، تساؤلات حول سيرة سيبويه، معتبرًا أن عبقرية النصّ النحوي تقابلها ضبابية تاريخية في السيرة، ما يستدعي إعادة قراءة التراث النحوي بمنهج نقدي صارم.
رهان رقمي
واختتم الكلمات العلمية د. أيمن شاهين، عميد كلية الهندسة جامعة الفيوم الأسبق، وعضو المجمع، الذي وصف الذكاء الاصطناعي بأنه فرصة تاريخية لاستعادة الريادة العلمية للعربية، محذّرًا من مخاطر تهميشها رقميًا، وداعيًا إلى استراتيجية وطنية تضمن حضور العربية كلغة منتجة للمعرفة.
ختام وتكريم
وقبل إسدال الستار، ألقى د. خالد مصطفى، الشاعر والخبير بالمجمع، أبياتًا شعرية عن اللغة العربية، ثم شهد الحفل تكريم عدد من الشخصيات، بينهم سفير كندا، ود. جون درويل، والإعلاميات هالة أبو علم وهالة الحديدي وحنان عسكر، د. نصر عبدالقادر، إلى جانب تكريم الطلاب والباحثين الوافدين المتفوقين، في رسالة تؤكّد أن “العربية” ما زالت قادرة على الحياة والتجدُّد وصناعة المستقبل.





























