تابع الرحلة: محمد لملوم
لم تكن دورة “إعداد الكوادر الصحفية” التي تنظّمها “الهيئة الوطنية للصحافة”، مجرد برنامج تدريبي تقليدي، بل تحوَّلت إلى تجربة متكاملة لبناء الوعي المهني والإنساني، وصناعة حالة واضحة من الترابط والتماسك بين الزملاء المشاركين من مختلف المؤسّسات الصحف القومية، تحت رعاية المهندس عبدالصادق الشوربجي- رئيس الهيئة الوطنية للصحافة- وبإشراف الكاتب الصحفي سامح عبدالله- مدير تحرير الأهرام ومسئول التدريب بالهيئة- في إطار رؤية تؤمن بأن الصحفي لا يُصنع داخل القاعات فقط، بل في تماس مباشر مع التاريخ والمكان والناس.
وفي ترجمة عملية لهذه الحالة الإيجابية التي أفرزتها الدورة، نظّم المشاركون رحلة ثقافية ومعرفية داخل أروقة القاهرة الفاطمية، جاءت امتدادًا لنهج تدريبي يدمج بين التأهيل المهني والتكوين الثقافي، ويعزّز فكرة أن الوعي بالتاريخ والهُوية يمثّل أحد أعمدة بناء الصحفي القادر على قراءة الواقع وفهم سياقاته العميقة.

مرافقة مهنية
جاءت الجولة بمرافقة الكاتب الصحفي سامح عبدالله، والكاتبة الصحفية ريهام مازن، والكاتب الصحفي مصطفى ياسين، وبمشاركة واسعة من الزملاء الصحفيين من مختلف إصدارات ومؤسسات الصحف القومية، إلى جانب مرافقة مسئولي الآثار الإسلامية بالمنطقة، د. ضياء زهران- رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية- د. أسامة البسيوني- مدير عام مناطق شمال القاهرة- عمّار عفيفي- مدير عام مناطق آثار الأزهر والغورى- فاطمة عبدالرحمن- مدير منطقة مجموعة الغوري- حنان حمدي- مدير منطقة الغورية- أحمد الجوهري- مدير منطقة المؤيَّد شيخ- على طه- مدير منطقة بالأزهر والغوري- ومجموعة من مفتشي الآثار بمناطق الأزهر والغوري: محمد حافظ- مسئول أمن مناطق آثار الأزهر والغورى- ومجموعة من مندوبي أمن المنطقة، الذين تولّوا تقديم الشرح التاريخي والتوثيقي التفصيلي لمعالِم الجولة ومحطّاتها المختلفة.
بداية تاريخية
استُهِلَّت الجولة من بيت الغوري، أحد أبرز الشواهد المعمارية الباقية من العصر المملوكي الجركسي، والمنسوب إلى السُّلطان قنصوه الغوري- آخر سلاطين دولة المماليك- وخلال الزيارة، تفقّد المشاركون قاعات البيت وأروقته، واستمعوا إلى شرح وافٍ حول تخطيطه المعماري الذي يجمع بين السلاملك والحَرَملك، ويتوسّطه فناء داخلي واسع يحقّق الخصوصية والتهوية، فضلًا عن المشربيات الخشبية الدقيقة، والأسقف المزخرفة بالنقوش الهندسية والنباتية.
روح الزمالة

وعقب الانتهاء من جولة بيت الغوري، حرص الزملاء المشاركون على تناول إفطار جماعي بأحد المطاعم الشعبية بشارع الأشرقية المجاور لمسجد المؤيَّد شيخ، في أجواء عكست روح الأُلفة والتقارب الإنساني، وجسَّدت جانبًا مهمًا من أهداف الدورة، التي تسعى إلى بناء الإنسان الصحفي وتعزيز الروابط المهنية.
شارع التاريخ
وانطلقت الجولة بعد ذلك في شارع المعزّ لدين الله الفاطمي، أحد أهم الشوارع التاريخية في العالم الإسلامي، والذي يمثّل متحفًا مفتوحًا للعمارة الإسلامية بمختلف عصورها. وفي امتداد شارع المعزّ، تتابعت المعالِم الأثرية التي تحكي تاريخ القاهرة عبر قرون متعاقبة، حيث توقّف الزملاء عند سبيل محمد علي، أحد أبرز أسبلة القاهرة في القرن التاسع عشر.
فلسفة الوقف
واستمع المشاركون إلى شرح تفصيلي حول سبيل محمد علي، الذي أُقيم لتوفير مياه الشرب لعابري السبيل وأهالي المنطقة، ويتكوّن من خزّان سُفلي وطابق علوي للتسبيل، ويتميّز بواجهته الرخامية المتأثّرة بالطراز العثماني ونقوشه الكتابية التي تعكس قيم الإحسان والتكافل الاجتماعي.

عِمارة مملوكية
وتواصلت الجولة بزيارة مسجد المؤيَّد شيخ، أحد أعظم نماذج العمارة الإسلامية في القاهرة، والذي شُيّد في القرن الخامس عشر الميلادي على أنقاض سجن قديم. ويضم المسجد صحنًا واسعًا وأروقة متعددة وقبَّة رئيسية، إلى جانب ضريحين يُعدّان من أروع الأضرحة المملوكية.
شرح أثرى
وخلال الجولة داخل المسجد، استمع الزملاء إلى شرح وافٍ من مسئولي الآثار الإسلامية حول التخطيط المعماري للمسجد، وأهميته الدينية والعلمية، ودوره التاريخي عبر العصور.
مشهد بانورامي
واختُتمت الجولة بالصعود إلى أعلى مئذنتيّ مسجد المؤيَّد شيخ، اللتين تعلوان باب زويلة، أحد أشهر أبواب القاهرة الفاطمية، حيث تمتّع المشاركون برؤية بانورامية لمعالِم القاهرة التاريخية.
تجربة ثرية
وجاءت هذه الجولة لتؤكّد أن التدريب الصحفي الحقيقي لا ينفصل عن الوعي الثقافي والإنساني، وأن بناء كوادر صحفية واعية يبدأ من فهم التاريخ والجذور، في نموذج تدريبي متكامل يجمع بين المهنية والهُوية وروح الجماعة.
رحلات سابقة
لم تكن هذه الرحلة هي الأولى للمشاركين بدورة إعداد الكوادر الصحفية، إذ سبق أن نظّموا، في إطار الدورة ذاتها، رحلة ميدانية إلى مجمع الأديان بمنطقة مصر القديمة، في تجربة ثقافية وإنسانية مماثلة، لتكون هذه الرحلة هي الثانية التي تؤكّد على روح الترابط والتماسك بين الزملاء بكافة مؤسّسات الصحف القومية، وتعكس ما أفرزته الدورة من علاقات مهنية وإنسانية تجاوزت حدود قاعات التدريب التقليدية.





























