معايشة: محمد لملوم
هنا، في قرية قصر بغداد، مركز كفر الزيات، وعلى بُعد نحو 16 كيلومترًا منها، وقرابة 13 كيلومترًا عن مدينة طنطا، تتشكّل صورة مختلفة لحفظ القرآن الكريم.

قرية ريفية هادئة، تطوّقها الرقعة الزراعية من كل جانب، وتغمرها طبيعة خضراء خلّابة، يحتضن قلبها كُتَّاب الشيخ حمادة سلَّام؛ كُتَّاب قرّر أن يكسر النمط التقليدي للحفظ، فيخرج بالحفَّاظ بين الحين والآخر من الجدران المغلقة إلى رحابة الطبيعة، دون أن يتخلّى عن صرامة المنهج أو أصالة السَنَد.
مرةً وسط الحقول الزراعية، بين المزارعين ونبض الأرض، وأخرى داخل تكعيبة من الأشجار مربّعة الشكل، تبدو كحديقة خضراء صُمِّمت خصيصًا لحفَظة كتاب الله.
هناك، يعتلي الشيخ كرسِّيه البسيط، ويصطفّ التلاميذ أمامه على الحصير، ينصتون لتلاوته ويردّدون خلْفه، في مشهد بديع تتعانق فيه آيات القرآن مع جمال الطبيعة، وتتحوّل جلسة الحفظ إلى معايشة حيَّة، يُستدَعى فيها المعنى قبل الصوت، ويعود القرآن إلى حضوره الأصيل في القلب قبل اللسان.

يقول الشيخ حمادة صلاح عبدالمعطي سلام، خرّيج معهد القراءات وكلية القرآن دفعة 2003، مدرّس القرآن وعلومه ووكيل معهد ابتدائى بالأزهر، وصاحب دار السلام لتعليم خير الكلام، تحت إشراف الأزهر والملحقة بمنطقة طنطا الأزهرية: “الكتَّاب في الحقل ليس دائمًا، هو على سبيل الترفيه والتغيير فقط، وكسر طريقة الحفظ التقليدية داخل مكتب التحفيظ”.
رحلة مع القرآن
بدأت رحلة الشيخ حمادة مع القرآن منذ الصف الثاني الابتدائي، حين تولّى عمُّه تحفيظه بكُتّاب القرية، فحفظ نحو 24 جزءًا، وأتمّ الختْمة وهو في السنة الأولى بمعهد القراءات 1991. واصل بعدها دراسته بمعهد قراءات طنطا، ثم تخرّج في كلية القرآن بطنطا.
وقبل ترخيص الكُتّاب بسنوات، كان يحفِّظ الطلاب ويعطي دروس التجويد والقراءات وهو لا يزال طالبًا، حتى بدأ الكُتّاب المرخّص رسميًا 2014، تتويجًا لرحلة طويلة مع القرآن وعلومه.
كُتَّاب متكامل
يقع الكُتَّاب داخل منزل مكوّن من ثلاثة طوابق. خُصِّص الدوران الأول والثاني ليكونا فضاءً تعليميًا متكاملًا، يضم عدة غُرف أُعدَّت على هيئة فصول للتحفيظ بمختلف المستويات، فضلًا عن دراسة علم التجويد وحفظ المتون، في صورة تجمع بين بساطة المكان وتدرُّج المنهج، وتؤكد أن الكُتّاب هنا ليس مجرد موقع للحفظ، بل مدرسة قرآنية متكاملة الجوانب.
الدار مرخّصة رسميًا، وتعمل يوميًا عدا الاثنين والجمعة. تبدأ الفترة الصباحية عادة من السابعة صباحًا، وقد تمتد في بعض الأيام من بعد الفَجر حتى العشاء، وفق ظروف الدراسة.
ويعتمد النظام على التدرُّج فى حفظ القرآن ودراسة نور البيان لمن لا يُحسن القراءة، ثم التحفيظ الكامل، ثم التجويد نظريًا وعمليًا، وصولًا إلى الإجازة في حفص عن عاصم، مع فتح الباب للروايات والقراءات الأخرى مثل شُعبة ووَرْش وقالون، والعشر الصغرى والكبرى، بالتوازي مع حفظ التُّحفة والجَزَرية والشاطبية وتطبيقها عمليًا.
امتداد الرسالة
وعلى الجانب المقابل من الشارع، يقع مكتب تحفيظ آخر. وحين سألناه عنه، أوضح الشيخ حمادة أن مُحفِّظه أحد تلامذته. ويضيف مبتسمًا: “عندما تخرّج من الجامعة قال لي- على استحياء-: أريد أن أفتح مكتب تحفيظ. فقلت له: افتح هنا، في بيتك، ليكون كُتَّاب التلميذ في مواجهة كُتَّاب الشيخ! وسعيت معه فى إجراءات ترخيص المكتب حتى صدر الترخيص”.
مشهد بسيط في ظاهره، لكنه يحمل دلالة عميقة على امتداد الرسالة، وانتقال القرآن من صدر إلى صدر، ومن جيل إلى جيل، في قرية اختارت أن تجعل للكتَّاب أكثر من باب، وأكثر من حامل.
فريق العمل
يعمل الشيخ حمادة مع عدد من المحفِّظين تحت إشرافه، من بينهم نجْله صلاح، طالب كلية أصول الدين، والحاصل على إجازة في حفص عن عاصم. كما شاركت ابنته سابقًا في التحفيظ قبل زواجها، وهي حاصلة على إجازة أيضًا.
ورغم اتساع النشاط وتعدّد المراحل التعليمية، تبقى المصروفات رمزية؛ إذ تبدأ من خمسين جنيهًا شهريًا فقط لكل طالب، في رسالة واضحة بأن القرآن متاح للجميع بلا عوائق مادية. ويضم الكُتَّاب أكثر من مائتى طالب، يتردّدون عليه يوميًا في فترات مختلفة تمتد على مدار اليوم، فتتحوّل الدار منذ الصباح الباكر وحتى المساء إلى خلية قرآنية نابضة بالحركة، لا تهدأ فيها التلاوة، ولا ينقطع فيها السند بين الشيخ وتلاميذه.
مسابقات وتحديات
يشارك الكتَّاب بانتظام في المسابقات المحلية ومسابقات المنطقة الأزهرية داخل الغربية، ويحقّق طلابه مراكز متقدّمة وجوائز، بينما لا تزال المسابقات الكبرى، كالمسابقة العالمية بالأوقاف والأزهر، بعيدة المنال بسبب ضعف الإعلان وغياب التوجيه.
القرآن والدروس الخصوصية
يرى الشيخ حمادة أن الإقبال على القرآن في القرية جيد جدًا، لكن العقبة الكبرى تتمثّل في ضغط الدروس الخصوصية، وغياب التقدير المجتمعي للكُتَّاب ومحفِّظ القرآن. ويؤكد: “المشكلة الأساسية هي ضعف الإيمان بقيمة القرآن، مع إن أغلب الذين يحفظون بفضل الله ينجحون ويدخلون كليات قمّة. التعليم والقرآن عندنا ليس ضد بعض، بل متوازيين”.
تغيير لا استبدال
الصورة التي لفتت الانتباه لم تكن استعراضًا، بل جزءًا من منهج تربوي. يقول الشيخ: “نحاول نغير الجو، نكسر الرتابة. مرة في جنينة، حقل، على السطح. مش دايمًا، لكن للتجديد”. هذا الخروج ينعكس مباشرة على الأطفال: انكسار للملل، تحسُّن في المزاج، وزيادة في التفاعل. وفي قلب الطبيعة، لا يفوت الشيخ فرصة ربط الواقع بالقرآن، فيحوّل الزرع والسماء إلى تفسير حيّ للآيات، فيصبح الحفظ تجربة معيشة لا ترديدًا جافًّا.
صناعة الحفَّاظ
في هذا الإطار، تتجلّى ملامح مدرسة تربوية متكاملة، تجمع بين كُتَّاب المكتب والانفتاح على الطبيعة، حيث لا يقتصر التحفيظ على الجدران، بل يمتد إلى الحقول الخضراء، ليصنع أثرًا أعمق في النفس والسلوك.
يقول صلاح حمادة صلاح، 20 عامًا، طالب الفرقة الأولى بكلية أصول الدين والدعوة بطنطا، إن رحلته مع القرآن بدأت داخل كُتَّاب المكتب، حيث شرع في الحفظ أواخر المرحلة الابتدائية، وأتمّ الحفظ في الصف السادس.
ويوضح أنه دخل الصف السادس الابتدائى خاتمًا، وكان متبقيًا له عشرة أجزاء، فكان يحفظ يوميًا خمس صفحات جديدة، على يد والده، الذي يصفه قائلًا: “تاج رأسي وقرَّة عيني وبلسم روحي وشيخي وقدوتي”.
ويؤكد “صلاح” أن اقتداءه بوالده لم يقتصر على القرآن فقط، بل امتد إلى كل مواقف حياته، قائلًا: “في كل صغيرة وكبيرة”.
وأشار إلى أن القرآن انعكس عليه إيجابيًا في كل تفاصيل يومه، مشيه وكلامه، تعاملاته مع الناس، مذاكرته، علاقته بطلابه من الحُفَّاظ، مؤكّدًا أن أثر القرآن شامل لا ينفصل عن الواقع.
ويضيف، أنه يشارك والده في الإقراء والتحفيظ، سواء داخل الكُتَّاب أو خارجه، موضّحًا أن التعاون بينهما في هذا المجال يُعدّ من أفضل صور خدمة كتَاب الله، ومؤكّدًا أن تأسيس جيل حافظ للقرآن من أنفع ما يُقدَّم للمجتمع، داعيًا الله أن يتقبّل هذا العمل.
تحوُّل وسكينة
ومن جانبه، قال معاذ عماد صبحي، طالب الصف الأول الثانوي الأزهري، من قرية شوني المجاورة للقرية، إن حفظ القرآن كان نقطة تحوّل حقيقية في حياته، حيث انعكس عليه أخلاقًا وسلوكًا قبل أي شيء، وعلَّمه طاعة الوالدين والإحسان إليهما، ومنحه قُدرة على تنظيم وقته بين الحفظ والدراسة دون تعارُض.
وأضاف، أن القرآن لا يعطِّل التعليم كما يروِّج البعض، بل يساعد على التركيز والانضباط، ويجعل المذاكرة أسهل وأكثر بَرَكة، لافتًا إلى مشاركته من خلال تلك الكُتّاب في مسابقات قرآنية محلية بمدينة طنطا تحت إشراف الأزهر.
وعن تجربة الخروج بالحفظ إلى الحقول والطبيعة الخضراء، أكّد “معاذ” أن تلاوة القرآن في فضاء مفتوح تمنح القلب سَكينة خاصة، وتجعل الحفظ أقرب إلى النفس، موضّحًا أن الطبيعة تساعد على الصَفَاء واستحضار المعاني، وتربط آيات القرآن بآيات الله في الكون.
ويختتم “معاذ” حديثه بالتأكيد على أن القرآن يعين ولا يثْقِل، وينصح كل من يظن أن حفظه يعيق الدراسة أن يخوض التجربة بنفسه، مشيرًا إلى أن طموحه أن يواصل طريقه العلمي حتى يصبح طبيبًا، مستندًا في ذلك إلى ما تعلّمه من كتَاب الله، في صورة لشخصية متوازنة تجمع بين العِلم والدين.

رحلة وعي ممتدة
ولا تتوقف تجربة مكتب تحفيظ القرآن في الحقل عند حدود الحفظ والتلقين داخل الطبيعة الخضراء، بل تمتد إلى بُعد تربوي وثقافي أوسع؛ إذ يحرص القائمون عليه على اصطحاب الحفظة والبراعم في زيارات ميدانية إلى مدينة طنطا، تشمل مسجد العارف بالله السيد البدوي، ومعهد قراءات طنطا، إلى جانب عدد من معالِم المدينة الأثرية، في محاولة لربط القرآن بسياقه الحضاري والروحي، وتعريف النشء بتاريخ العِلم والقراءات، وتعميق انتمائهم للهُوية الدينية والوطنية، بما يجعل الحفظ رحلة وعي متكاملة، لا مجرد حفظ للنصوص.
نماذج صغيرة
ويُعد أحمد أيمن صلاح سلام البالغ من العمر 12 عامًا من النماذج اللافتة بين حَفظة القرآن بالكُتَّاب، إذ أتمّ الحفظ في سن السابعة، في تجربة مبكّرة عكست جدّية واجتهادًا واضحين. ويقول: “حفظ القرآن في سنٍّ صغيرة غيّر حياتي بالكامل، وخلّاني أكثر التزامًا وتنظيمًا لوقتي، والتحفيظ في الحقل كان مختلفًا؛ الطبيعة تخليني أراجع وأنا مرتاح ومركّز، وحاسس إن القرآن قريب مني في كل وقت”.
كما تبرز “ياسمين وليد جمعة الشنباري”، 11 عامًا، كأحد الوجوه المضيئة بين الحافظات، بعدما أتمَّت حفظه كاملًا في سنّ مبكرة، داخل بيئة تربوية داعمة وغير تقليدية. وتقول: “القرآن أصبح جزءا من يومي، والخروج فى بعض الأحيان من داخل غرف التحفيظ المغلقة إلى الحقل جعلنى أحبّ الحفظ والمراجعة، واستشعر أن الجو الهادي والطبيعة يساعدوني أفهم وأثبت أكتر، وأفتخر إني حافظة لكتاب الله”.
رسالة ورجاء
وفي ختام تلك المعايشة، يوجِّه الشيخ حمادة رسالة شكر لكل من يهتم بالقرآن، ثم يطالب بدعم حقيقي لأهل القرآن، ماديًا ومعنويًا ويقول: “قبل ما أهتم بالنبات لازم أهتم بالزارع. المحفِّظ يخرَّج أجيالا تخدم بلدها ودينها يحتاج دعما محترما، ومسابقات خاصة، واهتماما بأهل الكتاتيب مثل المدارس والكليات”.

جيل يُصنع
من خلال تلك المعايشة يتأكّد أن تجربة الحفظ من الكُتّاب إلى الحقل تتجاوز مجرد استظهار الكلمات، لتصبح مسارًا حياتيًا متكاملًا يصنع جيلًا متوازنًا، يعرف كيف يربط بين النصّ والواقع، ويعيش قيم القرآن في كل تفاصيل يومه.
هنا، لا يُقاس النجاح بعدد الأجزاء المحفوظة، بل بوضوح الأثر على الأخلاق والسلوك، وبقُدرة الحَفَظة على أن يكونوا قدوة لأنفسهم ولمجتمعهم. فالقرآن الذي يُعاش في الطبيعة ويُمارَس في الحياة اليومية يترسَّخ في النفس، ويغرس الانضباط، ويغذي الطموح، ليصبح مدرسة حقيقية في صناعة الإنسان، وجيلًا قادرًا على الجمْع بين صفاء الروح وبناء العقل.





























