في زمن تتسارع فيه الأحكام، وتُختزل القضايا الكبرى في عبارات مُقتضبة ومواقف حادّة، لم تعد المسائل الدينية تُناقَش ضمن أُطرها العلمية الرصينة، بل انتقلت إلى فضاء رقمي مفتوح تتشابك فيه الأصوات، وتتزاحم التأويلات، ويُختبر فيه الإيمان لا بوصفه قناعة داخلية، بل باعتباره موقفا علنيا خاضعا للتصنيف والمُساءلة، وفي خضمّ هذا المشهد المتوتّر، يتراجع أحيانا الوعي بالفارق الدقيق بين جوهر العقيدة، ووظيفة الأخلاق في تنظيم العلاقة الإنسانية.
في مقابل هذا الاضطراب، يقدّم القرآن الكريم إطارا أخلاقيا واضحا للتعامل مع المختلِف دينيا، يقوم على البرِّ والعدل، بعيدا عن منطق الإقصاء أو الخصومة، كما في قوله تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ (الممتَحَنة: 8).
ويأتي التوجيه النبوي ليؤكّد هذا المعنى ويمنحه بُعده المقاصدي الشامل، في قوله (صلى الله عليه وسلم): “إنما بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق” (رواه البيهقي في سننه الكبرى). مما يقرّر بجلاء أن الرسالة لم تختزل في رسم الحدود، بل في ترقية السلوك، وأن الأخلاق ليست هامشا تابعا للإيمان، بل تجلِّيه الأصدق في الواقع.
وعلى ضوء هذا التلازم العميق بين الوحي والأخلاق، تتبدَّى حقيقة جامعة مفادها أن الأديان لم تأت لمخاصَمة الفطرة، بل لتهذيبها، ولم تشرع لإقصاء الإنسان، بل لتزكيته وهي خلاصة تلتقي فيها دلالة الآية التي قرّرت البرّ والعدل، مع مقصد الحديث الذي جعل تمام الرسالة في مكارم الأخلاق، لتكشف أن الدين في جوهره مشروع تزكية، لا أداة تضييق أو تصنيف.
غير أن هذا الفهم المتوازن يواجه اليوم اختبارا حادا؛ إذ لم يعد السلوك الإنساني البسيط بمنأى عن التأويل العَقَدي، بل أثقل بدلالات انتمائية تتجاوز حجمه الطبيعي، وكأن الأفعال اليومية لم تعد تقاس بآثارها الأخلاقية، بل بمدى انسجامها مع قراءات متشدّدة للانتماء وفي هذا السياق، يبرز الجدل المتصاعد حول تهنئة الأقباط بالمناسبات الدينية بوصفه نموذجا كاشفا لهذا الخلل، حيث انتقل فعل كان ينظر إليه طويلا باعتباره تعبيرا عن حُسن الجوار ورُقي الأخلاق، إلى ساحة صراع رمزي تستدعى فيها مفاهيم الالتزام وحدود العقيدة.
ومن هنا، تتجاوز الإشكالية الفعل ذاته لتطرح سؤالا أكثر جوهرية: هل يُقاس صدق الإيمان بحدّة المواقف وكثرة المنع، أم بعمق القيم الأخلاقية التي تضبط علاقتنا بالآخر في زمن تتسارع فيه الأحكام ويضيق فيه أفق الفهم؟
وانطلاقا من هذا المنطلق، يسعى هذا المقال إلى تفكيك الجدل الدائر حول تهنئة الأقباط في ضوء التحوّلات الرقمية، ومقاربة العلاقة بين الدين والأخلاق بوصفها علاقة تكامل لا تصادم. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الدفاع عن الإيمان عبر التضييق، بل في القُدرة على التمييز بين جوهر العقيدة، ورحابة الأخلاق التي جاء الدين لترسيخها.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نملك اليوم الشجاعة الفكرية للفصل بين حماية الإيمان، ومصادرة الإنسانية باسم الخوف عليه؟
في صميم هذا النقاش، تتشابك خيوط الإيمان والأخلاق والاتصال الرقمي في مشهد إشكالي معقّد، حيث تتلاشى الحدود بين ما هو تعبُّدي وما هو إنساني، وتعاد صياغة الأسئلة القديمة بلُغة جديدة فهل تقاس سلامة الإيمان بالمواقف الاجتماعية؟ أم أن القيم الأخلاقية تمثّل الفضاء الأوسع الذي ينظّم التعامل الإنساني رغم الاختلاف العَقَدي؟ إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الفعل ذاته، بقدر ما يتمثّل في توظيف الدين أحيانا أداة للتصنيف والإقصاء، على حساب كونه جسرا للتعارف والتواصل، وهو ما يستدعي مراجعة وظيفة الخطاب الديني داخل الفضاء الرقمي.
وقد أعادت الرقمنة تشكيل هذا التداخل، إذ أحدثت تحوّلا جذريا في أنماط التفاعل الإنساني، ولا سيما في قضايا الاختلاف الديني، فبدل أن تكون المنصّات الرقمية مساحات للتواصل، تحوّلت- في كثير من الأحيان- إلى ساحات تعكس توتّرات الهُوية، وأصبحت التهنئات الدينية موضوعا للاتّهام والمساءلة العلنية.
ويكشف هذا الواقع عن خلط شائع بين الإيمان بوصفه منظومة قيم داخلية، والسلوك الاجتماعي بوصفه تعبيرا إنسانيا يتشكل ضمن شروط الواقع، بحيث يغدو النقاش في تهنئة الأقباط اختبارا لنضج الوعي الجمعي أكثر من كونه معيارا لسلامة العقيدة.
ومع اتساع هذا الخلط، لم تعد المناسبات الدينية أحداثا خاصة، بل لحظات عامة تعاد قراءتها اجتماعيا وسياسيا، وتُحمَّل بدلالات تتجاوز بُعدها الإنساني وهكذا، تدفع تهنئة الأقباط إلى قلب صراع الهُوية والانتماء، حيث يواجه بعض الأفراد حملات تشكيك أو تخوين لمجرد ممارسة فعل إنساني بسيط، وكأن هذا السلوك غدا قرينة على التفريط في الثوابت، ويعكس هذا المشهد أزمة متجذّرة تتصل بضعف القُدرة على التمييز بين الاختلاف العَقدي، واحترام الآخر بوصفه شريكا في المجتمع.
ومن هنا يبرز تساؤل أكثر حساسية: متى يصبح السلوك الاجتماعي مساسا بالعقيدة؟ فعندما تُدْرَج الأفعال الإنسانية ضمن إطار ديني صارم لا يراعي النّيّة ولا الملابسات، يفقد الدين مرونته، ويحمل السلوك ما لا يحتمل من دلالات عَقدية، وتبرز تبعا لذلك حاجة ملحّة إلى الفصل بين حماية الهُوية الدينية وممارسة التعاطف والاحترام المتبادل؛ لأن حدّة ردود الفعل تجاه التهنئات تكشف أحيانا خوفا على الإيمان بقدر ما تعكس عجزا عن استيعاب القيم الأخلاقية التي يفرضها واقع التعدّد.
ويتعاظم هذا الإشكال داخل الفضاء الرقمي، حيث تتسارع الأحكام وتختزل القضايا المعقّدة في ثنائيات حادة، تغذّيها خوارزميات تضخم الانفعال وتكرّس الاستقطاب. وفي ظل هذا المناخ، تُهمل عناصر جوهرية كالدوافع والظروف المحيطة، ويزاح النقاش المقاصدي لصالح صدامات رمزية تعيد إنتاج الانقسام، الأمر الذي يجعل التمييز بين الإيمان بوصفه قناعة داخلية، والسلوك باعتباره فعلا اجتماعيا مشروطا بالملابسات، ضرورة فكرية وأخلاقية لتحرير الخطاب الديني من أسْر التوتّرات الرقمية.
وفي ختام هذا المسار، تتبدى قضية تهنئة الأقباط بوصفها مرآة تعكس أعمق أسئلتنا المعاصرة حول معنى التدين، وحدود الأخلاق، ووظيفة الخطاب الديني فالمسألة ليست تهنئة عابرة، بل اختبار حقيقي لقُدرتنا على التمييز بين الثابت والمتغيّر، وبين جوهر الإيمان ومظاهر السلوك الإنساني. إن إعادة النظر في هذا الجدل تفتح أُفُقَاً لفهم الدين بوصفه مشروعا أخلاقيا قبل أن يكون منظومة تصنيفات، ورسالة تهدف إلى تزكية الإنسان لا إلى محاصرته داخل ثنائيات الإقصاء والتخوين.
وحين تُستبدل المقاصد بسطحية الأحكام الرقمية، يفقد الخطاب الديني قُدرته على الإرشاد، ويتحوّل من قوة توحيد إلى عامل انقسام. ومن ثمّ، تبرز الحاجة إلى وعي ديني أكثر نضجا، يستحضر مقاصد الشريعة في سياق واقع التعدّد، ويعيد للأخلاق مكانتها بوصفها روح الدين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90)، وفي التوجيه النبوي الجامع: “إن من أحبّكم إليَّ وأقربكم منّي مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا” (رواه الترمذي).
وفي هذا المنحى، تغدو تهنئة الآخر تعبيرا عن إنسانية مشترَكة، واختيارا أخلاقيا يعكس فهمًا أرسخ لمعنى العيش المشترك، وتجسيدا لقيمة راسخة مفادها أن جوهر التديّن يتجلّى في السُّمو الخُلقي، وأن التفاضل بين الناس إنما يكون بمقدار ما يتحلّون به من أخلاق.
ولعلّ التحدي الحقيقي الذي يواجهنا اليوم لا يكمن في حسم الجدل، بل في قُدرتنا على إدارة الاختلاف بحِكمة، وتحويل النقاش من ساحة صراع إلى مساحة وعي، تُصان فيها العقيدة، وتُحفظ فيها كرامة الإنسان، ويستعيد فيها الخطاب الديني دوره بوصفه بوصَلة أخلاقية لا أداة إدانة.
فهل نملك، وسط هذا الضجيج الرقمي، الشجاعة لأن نسأل أنفسنا بصدق: أي صورة نريد أن نعكسها عن ديننا؟ صورة الإيمان الواثق الذي يتّسع للأخلاق، أم صورة الخوف الذي يضيق على الإنسان باسم العقيدة؟!




























