يقول تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) (٣٠/الأنبياء)، وعند قراءة القرآن الكريم نجد أن أبرز أنواع الماء فيه هي:الماء الطهور: وهو الماء النازل من السماء (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا). وجعله الله تعالى ماء مباركا: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ (10) رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ (11)) سورة :ق. ومنه الماء الفرات للشرب (وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا). ومنه الماء الغدق: الوفير كثير الخير (لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16/الجن). ومنه الماء المالح في البحار والمحيطات (وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) وهو بيئة صالحة لبقاء ووفرة الكائنات البحرية. وبحسب غزارته فمنه الماء المنهمر والثجاج: (بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ)، (مَاءً ثَجَّاجًا). وبحسب مكان الماء فمنه الماء الغائر في الأرض: (إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ (30)) والماء المعين: وهو الماء السهل الحصول عليه. والماء المغيض: الذي تتشرّبه الأرض وينقص ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾. وفي جسم الإنسان الماء المهين: ماء الرجل (المني) وماء المرأة (البويضات): (مِن مَّاءٍ مَّهِي)ٍ. وصفته التدفق وأصل نشأته من بين الصلب (العمود الفقري) والترائب (الضلوع): (خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7)) سورة الطارق.
أما في الآخرة فلعذاب أهل النار الماء الصديد: (وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ)، وماء المهل: ماء المعادن المذابة شديد الحرارة (يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) (29/الكهف)، والماء الحميم: الماء الشديد الحرارة (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) (15/محمد)
أما ماء أهل الجنّة فمنه ماء شديد العذوبة وسهل المرور في الحلق (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا). ومن صفته أنه لا يتغير طعمه أو ريحه (مِن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ).
قال الإمام ابن كثير: ” وقوله: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) أي : أصل كل الأحياء منه، وقَالَ ﷺ: “كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنَ الْمَاءِ” (مسند الإمام أحمد ح 7919)، وإن الآية الكريمة فيها دلالة صريحة على أن الماء عماد الحياة.
وتقدّر كمية الماء على الأرض 16 بليون كم3، منها 13 بليون كم3 تحت القشرة الأرضية، 3 بلايين كم3، نصفها يدخل في تركيب الصخور والمعادن الموجودة في القشرة الأرضية، بينما يوجد النصف الآخر في المحيطات والبحار والأنهار وفي المناطق الجليدية على شكل جليد. ولاشك أن الماء هو أساس الحياة بالنسبة لكل الكائنات الحية (انسان، حيوان، نبات، حتي الميكروبات)، وقد ورد في مجلة الكيمياء البيولوجية: أن الماء يمثل 75% من مكونات القلب و83% من مخ الانسان، ويمثل تقريبا 85% من مكونات الرئتين، ويمثل من الجلد 64%، ومن العضلات 75% والكلى 83%، و94% من مكونات الدم وحتى أنه يدخل كمكّون من عظام الإنسان بنسبة 31%، (J. Biol. Chemistry,1945, v. 158, issue 3, 625-637)
وعند نقص الماء للنبات يحدث انكماش للأوراق وجفاف النبات وموته(Plant Physiol.(2014) 164: 1772–1788)
أما بالنسبة للحيوانات تختلف كميات الماء التي يحتاجها الحيوان من نوع إلى آخر، فعلى سبيل المثال، فإن الأفيال تحتاج إلى حوالى 100 لتر ماء يوميا، بينما الماء يشكل حوالى 60% من حجم الأبقار والماعز بحسب غزارة إنتاجه للحم أو اللبن. وإن الماء ضروري لجميع عمليات التمثيل الغذائي ، والتفاعلات الكيميائية، وتنظيم درجة الحرارة، والقضاء على النفايات من الجسم، ويحافظ الماء على صحة وبقاء الحيوانات على قيد الحياة(A Guide to the Principles of Animal Nutrition 2019 by Gita Cherian)
والماء مهم جدا للكائنات البحرية فلا تستطيع أن تعيش خارج الماء وأي تغيير في كميته أو نقص في الأوكسجين أو النيتروجين والأملاح به يؤدي إلى موت الكائنات البحرية (Limnology and Oceanography, v. 51, p. 351-800)
وتختلف نسبة الماء في جسم الإنسان مع العمر والجنس من 71- 60٪. وهي نفس نسبة الماء على الأرض، ويمكن للشخص الحفاظ على توازن الماء في الجسم عن طريق تناول ما يكفي من السوائل خلال النهار.
وذكر تقرير الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء EFSA في 2010 أن كمية المياه الواحدة لا يمكن أن تلبي احتياجات الجميع في أي مجموعة سكانية لأن الحاجة الفردية للمياه مرتبطة باستهلاك السعرات الحرارية، وفقدانه عن طريق الإفرازات الإنزيمية والهرمونية، وبخار الماء مع الزفير، البول والبراز والعرق (EFSA J. 2010;8:1459–1507). لذلك يعتبر استهلاك المياه مهم جدا لبقاء العمليات الحيوية والفسيولوجية للجسم، وإلا تعرض الجسم للمرض أو الوفاة (Physiol. Behav. 2010;100:15–21). ويعمل الجهاز العصبي المركزي CNS وهرمونات الغدد الصماء العصبية باستمرار للحفاظ على التوازن الداخلي للماء عبر شبكة معقدة من العديد من الأجهزة والأنظمة العصبية للحفاظ على صحة جيدة ووظيفة مثالية. (Nutrients. 2018 Dec 5;10(12):1928)
وذكر العالم الكيمياء الروسي “إيغور بتريانوف” في كتابه: “الماء: تلك المادة العجيبة” (ترجمة: د. عيسى مسوح) بأن الماء هو أغرب مادة في الكون، حيث أنه السائل الوحيد الذي يصلح لأن يكون وسطاً لحدوث التفاعلات الكيميائية بين الأيونات الموجبة والسالبة ،ويعمل كمذيب في أجسام الكائنات الحية، وله القدرة على الانتشار والالتصاق مما يسهل عمله، ويتميز عن سواه كسائل بفارق كبير بين درجة تجمده ودرجة غليانه.
وبهذا يتضح من شواهد العلوم الطبية والجيولوجية والإرصاد الجوية أهمية الماء للحياة وهذا ما سبق به القرآن الكريم هذه العلوم قبل نشأتها بأكثر من 13 قرنا من الزمان مما يدل على أن القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وتعالى، وعلى صدق الرسالة وصدق الرسول ﷺ.





























