ما أحوجنا في هذه الكلمات المعدودات أن يكون حديثنا عن شهر رجب خاصة ونحن نعيش هذه الأيام المباركة والله سبحانه وتعالى فضَّل بعض الشهور على بعض، وفضَّل بعض الأماكن على بعض، ولكن لا يثبت فضلٌ لزمان ولا لمكان إلا بدليل قطعي، وفضل رجب داخل في عموم فضل الأشهر الحُرُم التي قال تعالى فيها: (إنَّ عِدَّةَ الشُّهورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُم ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ، فَلَا تَظْلِموا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُم) (سورة التوبة: 36).
شهر رجب هو أحد الأشهر الحُرم التي عظّمها الله، ومفتاح لأشهر الخير والبركة، هو الشهر الأصبّ، لأن الله يصبّ فيه الرحمة صبًّا على التائبين، هو شهر الانتصارات يذكِّرنا بمجد كان لأمّتنا ففيه كانت غزوة تبوك، (وقعت غزوة تبوك في رجب عام 9 هـ، وهو أحد الأشهر الحرم، وكانت آخر غزوات النبي، أه أمير بن محمد المدري. غزوة تبوك دروس وعبر. ص. 8.
وكتاب السيرة النبوية للدكتور مهدي رزق الله احمد ص٢٣٦).
ويُذكر أن القتال فيها كان دفاعاً عن المسلمين بعد أن تجمّع الروم، مما أجاز القتال عند جمهور العلماء، حتى في الأشهر الحُرم، وذلك بالدفاع عن النفس. وفيه أيضا كان تخليص المسجد الأقصى من أيدي الصليبيين على يد صلاح الدين. وفيه كان الإسراء والمعراج، فجدير بنا أن نتذكّر هذه الأحداث ونأخذ منها عبرة وذكرى (لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد).
شهر رجب، كونه من الأشهر الحرم، يستحبّ فيه الإكثار من الأعمال الصالحة كالصيام (خاصة الاثنين والخميس)، قراءة القرآن، الاستغفار والتوبة، الصدقة، الإكثار من الصلاة على النبي، وكفّ الأذى عن النفس والغير، فهو تهيئة روحية لرمضان، مع تجنّب تخصيص عبادات معيّنة كصلاة الرغائب لعدم ثبوتها، والتركيز على العبادات العامة التي تقرّبنا لله.
أبرز الأعمال المستحبة: الصيام: سنّة مستحبّة، خاصة يومي الاثنين والخميس، اقتداءً بالنبي في صيامه للأشهر الحُرم، مع عدم تخصيص كل رجب بالصيام.
القرآن: الإكثار من قراءته وتدبّره كتهيئة لرمضان.
الدعاء والاستغفار: الإلحاح في الدعاء والتضرّع إلى الله، خاصة في الثلث الأخير من الليل.
الصدقة: إطعام الطعام ومساعدة المحتاجين، فهي من أفضل الأعمال.
الصلاة على النبي: الإكثار منها (الصلاة الإبراهيمية).
كفّ الأذى: الابتعاد عن الغيبة والنميمة وإيذاء النفس أو الغير، لأن الحسنات والسيئات تتضاعف في الأشهر الحرم.
التوبة: شهر رجب فرصة لصفاء النية والتوبة الصادقة.
الاجتهاد في الطاعات: صِلة الأرحام، برّ الوالدين، والإصلاح بين الناس.
ومن أجمل ما قيل عن شهر رجب وقد تعددت عبارات العلماء في التعبير عن هذا المعنى، ومن تلك العبارات:
١ـ”قيل: رجب لترك الجفاء، وشعبان للعمل والوفاء، ورمضان للصدق والصفاء.
٢-رجب شهر التوبة، شعبان شهر المحبّة، رمضان شهر القُربة.
٣ـرجب شهر الحرمة، شعبان شهر الخدمة، رمضان شهر النعمة.
٤ـرجب شهر العبادة، شعبان شهر الزهادة، رمضان شهر الزيادة.
٥ـرجب شهر يضاعف الله فيه الحسنات، شعبان شهر تكفر فيه السيئات، رمضان شهر تنتظر فيه الكرامات.
٦-رجب شهر السابقين، شعبان شهر المقتصدين، رمضان شهر العاصين.
٧ـوقال ذو النون المصري- رحمه الله-: رجب لترك الآفات، وشعبان لاستعمال الطاعات، ورمضان لانتظار الكرامات، فمن لم يترك الآفات، ولم يستعمل الطاعات، ولم ينتظر الكرامات، فهو من أهل الترّهات. كتاب “الغنية لطالبي طريق الحق” ص٣١٤. قال الحسن البصري: “إن الله جعل مواسم للطاعة ليتدارك العبد ما فاته، فالسعيد من انتبه قبل الفوات لطائف المعارف في البقاع واللغات” لابن رجب الحنبلي. إن رجب شهر الزرع وبداية التهيئة، فيه تصلح النيّات وتُمهَّد القلوب قبل شعبان ورمضان، لطائف المعارف.






























