بقلم: د. نعيم مصطفى شرف
العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر
لاحظت في السنوات الأخيرة تشويهًا متعمَدًا للمشاهير من علماء الدين الإسلامي، وروّاد الفكر، والوعي الوسطي المستنير الذي يشكّل ضمير الشّعب ووجدانه؛ وذلك بتنظيم حملات ظالمة ضدهم للانتقاص من قدْرهم، وإضعاف تأثيرهم الإيجابي، وإزاحتهم عن مسار الفكر المعتدل الرشيد، وزعزعة مكانتهم في نفوس الأمّة؛ فنراهم مرة يُزَوِّرون كلاما، وآراء، وأفكارا على ألْسنتهم، ويظهرونها في صورة آراء باطلة وسقطات دينية، والعلماء برآء منه، أو أنهم شيْطَنوها، وأخرجوها عن سياقها، ومرة أخرى بالاستهزاء منهم، وبالحَطِّ من قدْرهم ومنزلتهم، والتنمّر عليهم في بعض الأعمال الفنية الرخيصة، بأن يأتوا بهم في صورة المنافق، أو الجاهل، أو الدجال، أو الدنيء، ومرة ثالثة بإظهار علماء الشريعة الإسلامية، عن طريق الحوارات التليفزيونية المثيرة للجدل، أو الإذاعية الهزيلة، أو البرامج الإعلامية العلمانية التي تطعن في القطعيات الشرعية، وتشكّك في ثوابت الدين، والأقلام الصحفية المأجورة التي تسعى للتربح على حساب المصداقية واحترام المهنية، بحيث يظهرون العلماء وكأنهم ليسوا على كلمة سواء في كثير من الأحكام التي تتعدّد فيها آراء المذاهب الفقهية، ورابعة برفض فرض السُّلطة الدينية على المجتمع تأكيدا لفكرة الوصاية، أو المبدأ القائل: “لا كهنوت في الإسلام”. إلى غير ذلك.
وهذا كلّه تشويه مستنكَر ومرفوض لا يتناسب أبدا مع قدْر العلماء وتوقيرهم، ومنزلتهم العظيمة، ومن المؤكّد أن الحركة الصهيونية، والموساد الإسرائيلي هم من وراء تلك الحملات الشيطانية؛ فقد ورد في البروتوكول السابع عشر من برتوكولات حكماء صهيون التي ترجمها التونسي محمد خليفة، أنهم قد عنوا عناية فائقة بالحَطِّ من كرامة رجال الدين من الأمميين (غير اليهود) في أعين الناس، وبذلك نجحوا في الإضرار برسالتهم التي كان يمكن أن تكون عقبة كؤودًا في طريقهم، وإن نفوذ رجال الدين على الناس لَيتضاءل يومًا بعد يوم.
كما ثبت أيضا أن لديهم جهات وأفراد وشركات تكنولوجيا ومكاتب يديرون صفحات متنوعة على فيسبوك تتفاعل مع الجمهور العربي، وتهدف إلى تقديم وجهات نظر مغايرة لمفاهيم الرأي العام في البلاد العربية والإسلامية حول كثير من القضايا المهمة التي تتعلق بالثقافة الإسلامية والقيم الاجتماعية، والفكر الوسطي المعتدل، وقد ثبت أن آلاف الحسابات التي تهاجم الدول العربية، وتبث الفتنة بين المسلمين تدار من الداخل المحتل “إسرائيل”، تحت إشراف الفرقة 8200 المتخصصة في الحرب السيبيرانية والعمليات الإلكترونية.
فهم يهدفون إذن إلى تشويه علماء الدّين الإسلامي، وتهوين مكانتهم؛ وتقبيح ما تخلّقوا به من أخلاق كريمة، وحُسن معاملة؛ قاصدين بذلك إسقاط المرجعية الدينية المعتمَدة، وتغريب المجتمع، والتلبيس على عوام الناس الذين لم ينالوا حظا من التعليم والثقافة؛ وبهذا يضيع العلم الشرعي الذي يحمله علماء الأمّة في صدورهم من قرآن كريم، وحديث شريف، وتفسير، وأحكام فقهية، وعقيدة.. إلى غير ذلك من سائر أنوار العلوم الدينية المختلفة، وهذا يؤدي إلى إضعاف الأمة الإسلامية بتمييع الأجيال الجديدة، وضياع الهُوية الإسلامية والوطنية والعلمية والثقافية والاجتماعية، واضمحلال الفكر، ومسْخ القدوة الصالحة، وضرب منظومة القِيم المجتمعية، والأخلاقية الحسنة التي تعود بالنفع العميم على تقدُّم المجتمع واستقراره، وبنائه، وسِلْمِه، وأمنه، وأمانه؛ وبهذا تتكوّن لدى عامة الناس صورة ذهنية شريرة رديئه عن علماء الأمة، فلا يرجعون إليهم في أمور دنياهم وعقيدتهم، فتهدُم كل حصون المقاومة، ويصبح عامة الناس لُقمة سائغة لتمرير كل ضلال، وإفساد، وتوصيات عِلمانية تغريبية، ويسيطر على الساحة-للأسف- كل ما هو تافه حقير ساقط؛ لكن هيهات هيهات، فقد توعّدهم الله جلّ شأنه، فقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.
لقد كرَّم الله تعالى العلماء، ووهبهم مكانة عظيمة، ومنزلة رفيعة، وشرَّفهم، ونور درْبهم، وسدّد رأيهم ورميهم، ورفع قدْرهم، ونوَّر بهم العقول، وعمَّر بهم الأرض، وجعلهم ورثةَ أنبيائِه في حمل رسالة العلم، ونقْل شريعتهم بما فيها نفائس ودرر وفوائد جمّة، “وإنَّ المَلائِكةَ لَتضَعُ أَجْنِحَتَها رِضًا لِطالِبِ العِلْمِ” قال الله جَلَّ في عُلاه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.
لكن للأسف الأسيف وصل بنا الحال الآن إلى درجة كُبرى من الانحلال الأخلاقي ونجح أعداء المسلمين والعرب في الوصول بنا إلى قمّة صناعة التفاهة، لدرجة يغيب فيها العقل، وينهار الفكر، وتنحدر الأخلاق، وينتشر الذوق الرديء، والعقل الفارغ، وتسبب هذا في أن شريحة كبيرة من أولادنا انحرفت، وافتقدت لقواعد الذوق، والتذوق، ومحامد الأخلاق الطيبة، وأصبحت تحمل فيروس الكلمات السوقية المتدنِّية، التي خرجت عن الذوق العام، وانحدرت عن حدود الآداب، والأخلاق!
والسؤال، لماذا تدعم البرامج الدنيوية أمثال هؤلاء؟ وأين الدور الرقابي لحماية القيم، الأخلاق، الأعراف الاجتماعية، وحقوق الناس في استماع ألفاظ ترتقي بالمبادئ الحسنة، والذوق العام؟
أفيقوا يا سادة، وأغيثونا من هذا النشاذ، وأولئك الأشباح، الذين يفسدون، بل يدمّرون الذوق العام؛ إذ كيف لمصر وهي أرض الحضارات أن يخرج منها هذا التنطّع، والابتذال الذي يسيء إلى حضارتنا العريقة؟!
إن هذا يتسبّب في أن تتربّى أجيالنا على الهزل، الهيافة، الميوعة، التجسس على أحوال الناس. وتلكم هي المفاتيح التي تتعَلْمَن بها المجتمعات الإسلامية، وتنمو بها ظاهرة التكفير وتتدَمَّرُ من خلالها القِيَمُ والأخلاق، وتصبغها بصبغة غربية غير إسلامية في مظهرها وجوهرها، وبين فصول مسرحية التفاهة، وتوابل الإلهاء تستمر الحياة، وتسقط الحضارات!.. حفظ الله البلاد والعباد من شرّ أعداء الدين.




























