يُعدّ الدعاء جوهر الدين ولبّ العبادة، فهو تعبير صادق عن اليقين بوحدانية الخالق، والإيمان بأنه وحده القادر على الإجابة وقضاء الحاجات. وفي الدعاء يظهر التوكّل الكامل على الله، إذ يوقن الإنسان أن الأمر كله بيد الله وحده. وقد ورد الدعاء في الأديان السماوية الثلاثة، باعتباره صلة مباشرة بين العبد وربه، ودعوة إلهية مفتوحة للتقرب منه وطلب عونه ورحمته.
ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186).
ففي هذه الآية يبيّن الله سبحانه وتعالى قربه من عباده، وأنه لا يحتاج إلى وسيط، بل يجيب دعوة كل من لجأ إليه بصدق وإخلاص.
ولم يوجّه الله نبيه ﷺ، عندما يسأله الناس عنه، أن يحدّثهم عن قوته أو عظمته فقط، بل أخبره أن يطمئنهم بقربه واستجابته لدعائهم. فالدعاء سبب لمغفرة الذنوب، وقضاء الحاجات، وتكريم الله لأحبّته، وهو باب واسع للرحمة الإلهية.
وتحفل قصص الأنبياء بأمثلة واضحة على قوة الدعاء وسرعة الاستجابة. فقد دعا سيدنا نوح عليه السلام ربه بعد سنوات طويلة من الدعوة لقومه دون جدوى، فقال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾، فجاءت الاستجابة الإلهية سريعًا، كما يظهر في تتابع حرف الفاء في الآيات: ﴿فَفَتَحْنَا﴾، ﴿وَفَجَّرْنَا﴾، دلالة على قرب الله من عبده وسرعة نصره له.
وكذلك كان دعاء سيدنا يونس عليه السلام في بطن الحوت:
«لا إله إلا أنت إني كنت من الظالمين»، الذي كان سببًا في نجاته، إذ لولا هذا الدعاء لبقي في بطن الحوت إلى يوم البعث. فالدعاء هنا تجلٍّ لحب العبد لربه وثقته في رحمته.
كما نجد دعاء سيدنا أيوب عليه السلام عندما ابتُلي بالمرض، فجاءت الاستجابة الإلهية مقرونة أيضًا بحرف الفاء الدال على سرعة الفرج:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ﴾.
وكذلك دعاء سيدنا زكريا عليه السلام، حين رزقه الله بالولد بعد طول انتظار، ودعاء سيدنا يوسف عليه السلام حين اختار السجن على المعصية.
وقد تكررت الدعوة إلى الدعاء في القرآن الكريم مقرونة بوعد الاستجابة، كما في قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
نجد سؤالًا يجول في أذهان الكثيرين: هل يغيّر الدعاء القدر؟ هل يسبق الدعاء وقوع المكتوب؟ والإجابة هي نعم، ونجد هذا جليًّا في قصة المرأة التي جاءت إلى سيدنا موسى وطلبت منه أن يدعو لها بأن تصبح أمًّا، فلما دعا لها، أنزل ربنا عليه الوحي وقال له: يا موسى، إني كتبتها عقيمًا. فبلّغها سيدنا موسى بهذا الكلام، فبكت ورحلت وهي حزينة.
وبعد سنة رجعت هذه السيدة ومعها ابنها الصغير تحمله بين ذراعيها، فتعجّب سيدنا موسى وسأل ربه: ألم تقل إنها عقيم يا الله؟
فقال له: يا موسى، دعتني بدموع صادقة، فاستحييت أن أردّها خائبة، فغيّرت لها القدر إكرامًا لدعائها وصبرها ورضاها، فكيف أردّها وهو عليَّ هيِّن.
وفي الختام، يظل الدعاء سرًّا عظيمًا وقوة خفية من قوى الإيمان، لا ينبغي الاستهانة بها. فالله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، وهو القريب الذي لا يرد من دعاه بصدق، ولا يخيب من رفع يده إليه وأسلم أمره بين يديه.





























