تحدَّثَ القرآنُ الكريمُ عن هلاك الظالمين والكافرين في الدُّنيا، لأنهم تجاهلوا آياتِ الله ورسله ومعجزاته التي أيدهم بها ، وعادوا المؤمنين، وفضَّلوا اتباعَ أهوائهم ومعاداةَ رسلهم. وكان هلاك قوم نوح بالطوفان. وفرعون موسى وجنوده بالغرق في اليم، وقوم عاد بالريح، وقوم صالح بالصيحة. وقوم لوط بالحاصب وهي الحجارة المحرقة. وقارون بالخسف. وقوم سبأ بالجوع والعطش.
وعن قوم نوح: قال تعالى: (فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ(14/العنكبوت) . قال ابن كثير: “من كثرة ذنوبهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم أغرقوا”. وقد مكث نوح عليه السلام يدعوهم 900 سنة (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9). وبعد أن يأس من استجابتهم للإيمان دعا عليهم قال: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) ، ( فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) ، ونجى الله الذين أمنوا معه (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) سورة القمر. وعن الطوفان قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة : المطر الغزير. وعن الضحاك : الغرق . وقيل : الموت . فأهلكهم الماء الكثير، وكلّ ماء كثير فاش ؛ فهو عند العرب طوفان، سيلا كان أو غيره.
ورغم أن القوم كانوا في أرض ليس بها عيون ماء ، وكان نوح عليه السلام يصنع السفينة على اليابسة وكانوا يسخرون منه، فكانت المعجزة الإلهية: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) أي: فتحت أبواب السماء بماء منهمر: أي غزير شديد التتابع ، وهذه الآية تثبت أن للسماء أبوابا لا يعلمها إلا الله تعالى ، وقال بعض المفسرين أبواب السماء أي يقصد بها السحاب المعصرات التي تصب الماء صبا متواليا.
وقوله تعالى: (وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا) أي: نبعت جميعُ أرجاء الأرض، حتى التنانير التي هي محال النيران نبعت ، والتنور هو الذي يخبز به فجعله علامة لبداية الطوفان، (حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ) ، أو ربما هي عيون البراكين السابقة وقد ثبت علميا أن البراكين يخرج معها الماء المخزون في الأرض.
عذاب فرعون موسى وجنوده بالغرق في اليم: قال تعالى: (فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ فِي ٱلْيَمّ(136/الأعراف) ، (فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ(77/الأنبياء). فبعد عناد شديد من فرعون وملأه لموسى وأخيه هارون عليهما السلام، استجاب الله لدعوة موسى عليه السلام ، وهذه دعوة غضب لله تعالى ولدينه ، ولبراهينه ، فاستجاب الله تعالى لها ، وحققها كما استجاب من قبل لدعوة نوح عليه السلام ; قال تعالى: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ (65) الشعراء. ومعنى قوله تعالى( كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) أي: كالجبل العظيم، ( وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ ) : وقرّبنا هنالك آل فرعون من البحر, وقدمناهم إليه، وقوله تعالى: ( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً) ، قال ابن عباس وغيره: إنَّ بعض بنى إسرائيل شكّوا ولهذا قال تعالى: ختاما لهذه الآية« .. وَإِنَّ كَثِيراً مِّن النَّاسِ عَنْ ءَايَتِنَا لَغَفِلُونَ (92) يونس.» أى لتكون لبنى إسرائيل دليلاً على موتك وهلاكك ، ولتكون عبرة لمن يأتي بعدهم.
إهلاك مملكة سبأ بالسيل ، وكانت باليمن من الجزيرة العربية: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) سورة سبأ . قال ابن عباس: أبدلهم الله مكان جنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط، والخمط: الأراك. وأما الأثل: فإنه يقال له: الطَّرفاء، وقيل: إنها السَّمُر، وهي من الأشجار التي لا ثمر لها. قال الإمام الطبري في تفسيره: “فأعرضت سبأ عن طاعة ربها وصدت عن اتباع ما دعتها إليه رسلها من أنه خالقها. ولقد بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيًّا فكذبوهم ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ) أي: فثقبنا عليهم سدهم ، وكان سدا عظيم الشأن كان يحبس عنهم السيول.






























