تجلّت في هذه الرحلة المباركة من المعجزات والعجائب الباهرة، وتلقى سيدنا النبي فيها من االفيوضات والآيات الزاخرة، فتواضعت له فيها المسافات، وخضعت له الكائنات، فُفتح له حدود الزمان، كما طُوي له حدود المكان، فتنقَّل في أرجاء الكون، حتى وصل إلى ما لم يصل إليه نبي قبله، فرأى من آيات ربه الكبرى، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
كما تجلَّت عظمة القدرة الإلهية المطلقة، في كونه: (إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، وتُوِّجَت الرحلة المباركة بالتكريم والتشريف لسيدنا رسول الله، حيث استقبله أهل السموات بحفاوة وتعظيم، واحترامٍ وتقدير، بعد تعرضه للأذى والجفاء في مكة والطائف من قومه.
وقد تشرَّفت أقلامُ العلماء منذ قديم الزمان وحتى يومنا هذا في الحديث عن هذه الرحلة المباركة، التي ستظل على مرَّ الأزمنة منبعاً صافياً ينهل منها العلماء، ويستعذبها الشعراء، وتفيض أنوارها على قلوب الأولياء، لتظل هذه الذكرى شعاعًا مضيئًا لا ينقطع نوره، ولا يُفقد نفاذه على مرِّ الدهور والأزمان.
وتتجلى رحلة الإسراء والمعراج في عدة جوانب، من أبرزها: الزم الباب ولو سُدت أمامك كل الأبواب
ليكن سيدنا النبي نُبراساً لحياتك، وقدوة حسنة في أفعالك وأقوالك، فقد طَرَقَ الأبواب جميعها في سبيل دعوته المباركة، حيث قام بتليغ دعوته كما أمره ربُه، فوقف المشركون في وجهه، وسدَّوا أمام دعوته الأبواب، وتفنَّنت قريش في إيذائه، وابتكروا وسائل وأساليب متنوعة في محاربته، ويسجِّل لنا الإمام البخاري في صحيحه صورة من هذه الصور القاسية، فأخرج في صحيحه بسنده عن عبدِاللهِ بنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ- رضي الله عنهما- قال: «بَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ؛ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ، وقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ (غافر: 28).
وعَنْ عَبْدِاللَّهِ بن مسعودٍ- رضي الله عنه- قَالَ: (بيْنَما رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ له جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بالأمْسِ، فَقالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إلى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ في كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فأخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ وَضَعَهُ بيْنَ كَتِفَيْهِ، قالَ: فَاسْتَضْحَكُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ علَى بَعْضٍ وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ، لو كَانَتْ لي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عن ظَهْرِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَالنبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ سَاجِدٌ ما يَرْفَعُ رَأْسَهُ حتَّى انْطَلَقَ إنْسَانٌ فأخْبَرَ فَاطِمَةَ، فَجَاءَتْ وَهي جُوَيْرِيَةٌ، فَطَرَحَتْهُ عنْه).
ولكن سيدنا رسول الله لم ييأس، وإنما عاد ليواصل دعوته المباركة من جديد، فذهب إلى الطائف من أجل تبليغهم رسالته الخاتمة، ولكنهم رفضوه وآذوه، وحرَّضوا عليه سفاءهم وجُهَّالهم فرموه بالحجارة حتى سال دمه الشريف من قدميه المباركتين على الأرض، التي قطرة من دمه المبارك تعدل الدنيا وما فيها.
وما كان منه إلا أن يلجأ إلى باب سيده ومولاه، بعد أن أغلقت أمامه الأبواب، فتضرع إلى ربه قائلًا: (اللَّهُمَّ إِلَيْك أَشْكُو ضعف قوتي وَقلة حيلتي وهواني على النَّاس يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ أَنْت رب الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنت رَبِّي اللَّهُمَّ إِلَى من تَكِلنِي؟ إِلَى بعيد يتجهمني أم إِلَى عَدو ملكته أَمْرِي؟ إِن لم يكن بك غضب عَليّ فَلَا أُبَالِي غير أَن عافيتك أوسع لي أعوذ بِنور وَجهك الَّذِي أشرقت بِهِ الظُّلُمَات وَصلح عَلَيْهِ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أَن ينزل بِي سخطك أَو يحل عَليّ غضبك لَك العتبى حَتَّى ترْضى فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه) وفى بعض الروايات: (ولا حولَ ولا قُوَّة إلَّا بك).
إنه درس عظيم: حين تشتد بك الأزمات، وتواجهك الصعوبات، وتضيق عليك الدنيا، وتكثُر الملمَّات، افزع إلى الله، واطرق بابه، ولذ بجنابه، واركن إليه، واعتمد عليه، فإنه كافيك، قال تعالى: “وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا” الطلاق: ٣.
فلتكن مستقر النفس، هادئ البال، ولا تقلق ولا تضطجر، ما دمت دخلت في حصن الله، ولذت بكنف الله، فقد أخبرنا الله الله تعالى في كتابه المبارك فقال: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:٢٨)، وقال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:٢٨).
فإذا كان سيدنا النبي قد عرج به رَبُّه بجسده وروحه، فسيظل معراجه باقيًا إلى يوم الدين في قلب كل مؤمن، تعرج فيه أرواحهم وقلوبهم إلى ربهم كل يوم وليلة، عروجاً تأنس به نفوسهم، وتطمئن به قلوبهم، وتقر به أعينهم، وينالون من فضل الله وكرمه، ويحظون بقربٍ من الله تعالى.
ولعل هذه الإشارة نلتمسها من حكمة فرض الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج، فإذا كان الله تعالى قد ناجى حبيبه، وقرَّبه، وجعل له هذا المعراج، فإنه إكرامًا لسيدنا رسول الله جعل لعباده المؤمنين معراجًا، بمثابة شعلة من شمس معراجه، وقطرة من بحره أنواره، ولمحة من فيض أسراره.
قال الإمام فخر الرازي رحمه الله: إن محمدًا عليه السلام لما أنعم الله عليه بأن رفعه إلى قاب قوسين قال عند ذلك: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله)، والصلاة معراج المؤمن، فلما وصل المؤمن في معراجه إلى غاية الإكرام- وهي أن جلس بين يدي الله- وجب أن يقرأ الكلمات التي ذكرها النبي، فهو أيضا يقرأ التحيات، ويصير هذا كالتنبيه على أن هذا المعراج الذي حصل له شعلة من شمس معراجه وقطرة من بحره وهو تحقيق قَوْلِه: (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ) (النساء: ٦٩).
وقد أخبر النبي عن هذه اللمحة المباركة التي تكون بين العبد وربه من المناجاة، فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: “إن اللهَ تعالى يقولُ: قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفينِ، نصفُها لي ونصفُها لعبدي ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ: (الحمدُ للهِ ربِّ العالمين) قالَ اللهُ: حمِدني عبدي، وإذا قالَ: (الرَّحمنِ الرَّحيمِ) قالَ اللهُ: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قالَ: (مالكِ يومِ الدينِ) قال اللهُ عز وجل: مجّدني عبدي، وفي روايةٍ (فوَّضَ إليَّ عبدي)، وإذا قالَ: (إياكَ نعبدُ وإياكَ نستعينُ) قال: فهذه الآيةُ بيني وبين عبدي نصفينِ ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ: (اهدنا الصراطَ المستقيمَ صراطَ الذين أنعمتَ عليهم غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالينَ) قال: فهؤلاءِ لعبدي ولعبدي ما سألَ”.
إذا أخبرنا رسولنا تعاملنا مع الخبر وكأننا نشاهده؛
لقد أطَّلع الله سيدنا رسول الله وكشف له عن المغيبات العجيبة وأراه من آياته الكبرى، ومن ذلك الجنة ونعيم أهلها، والنار وعذاب أهلها، وغيرها من الأمور الغيبية، التي إذا أخبر عنها بعد ذلك تقع في قلوب المؤمنين موقع الصدق والقبول، وهذا ما جعل بعض السلف يقول: رأيت الجنة والنار حقيقة، قيل له: وكيف؟ قال: رأيتهما بعيني رسول الله، ورؤيتي لهما بعينيه: آثر عندي من رؤيتي لهما بعيني، فإن بصري قد يطغى ويزيغ، بخلاف بصره.
وقد قدَّم سيدنا أبو بكر رضي الله عنه انموذجًا عمليًا لهذا المعنى في هذه الرحلة المباركة، فعن أُمُّنا السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: لما أُسرِيَ بالنبيِّ إلى المسجدِ الأقْصى، أصبح يتحدَّثُ الناسُ بذلك، فارتدَّ ناسٌ ممن كانوا آمنوا به، وصدَّقوه، وسَعَوْا بذلك إلى أبي بكرٍ، فقالوا: هل لك إلى صاحبِك يزعم أنه أُسرِيَ به الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدَقَ، قالوا: أو تُصَدِّقُه أنه ذهب الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ وجاء قبل أن يُصبِحَ؟ قال: نعم إني لَأُصَدِّقُه فيما هو أبعدُ من ذلك، أُصَدِّقُه بخبرِ السماءِ في غُدُوِّه أو رَوْحِه، فلذلك سُمِّي أبو بكٍر الصِّديقَ.




























