عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “فُرِضَتْ على النبي صلى الله عليه وسلم ليلةَ أُسرِيَ به الصلواتُ خمسينَ، ثم نقَصتْ حتى جُعِلَتْ خمسا، ثم نُوديَ: يا محمدُ: إنه لا يبدّلُ القولُ لديَّ، وإنَّ لكَ بهذهِ الخَمْس خمسينَ” (صحيح البخاري)، وذلك تخفيفا على أمّة سيدنا رسول الله من جهة، وتعظيما لثوابها من جهة أخرى.
وقد اختُصَّت الصلاة من بين سائر أركان الإسلام بأن فرضيتها كانت من فوق سبع سماوات في رحلة الإسراء والمعراج تعظيمًا لأمرها، فالصلاة هي معراج المؤمن، وإذا كان نبينا الكريم قد عُرج به إلى السماوات العلا، فهناك معراج للمؤمن يسمو به إلى الدرجات العلا وهو الصلاة.
ولفرضية الصلاة في رحلة الإسراء والمعراج أهمية ودلالة كبيرة في أهمية الحفاظ عليها والاعتناء بها، حيث يقول نبينا الكريم: “مَن حافَظَ عليها كانَتْ له نورًا وبُرْهانًا ونَجاةً يَومَ القيامةِ، ومَن لم يحافِظْ عليها لم يكُنْ له نورٌ ولا بُرْهانٌ ولا نَجاةٌ” (أخرجه أحمد والطبراني)، حيث يقول نبيُّنا: “أقربُ مَا يَكونُ العبْدُ مِن ربِّهِ وَهَو ساجدٌ” (صحيح مسلم)، ويقول الحق سبحانه: “وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ”.
وكثرة السجود سبيل لمرافقة نبينا في الجنة، يقول سيدنا ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه: “كُنْتُ أبِيتُ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فأتَيْتُهُ بوَضُوئِهِ وحَاجَتِهِ فَقالَ لِي: سَلْ فَقُلتُ: أسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ في الجَنَّةِ قالَ: أوْ غيرَ ذلكَ قُلتُ: هو ذَاكَ قالَ: فأعِنِّي علَى نَفْسِكَ بكَثْرَةِ السُّجُود” (صحيح مسلم).
هذا إلى ما أعدّه الله من ثواب عظيم للقائمين والرُّكَّع السجود: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ”، ويقول: “قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ”، ويقول: “إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”.
وفي الحديث القدسي يقول ربُّ العزّة: “قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفينِ، نصفُها لي ونصفُها لعبدي ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ العبد: (الحمدُ للهِ ربِّ العالمين)، قالَ اللهُ تعالى: حمِدني عبدي، وإذا قالَ: (الرحمنُ الرحيمُ)، قالَ اللهُ تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قالَ: (مالكِ يومِ الدينِ)، قال اللهُ عز وجل: مجّدني عبدي ، وفي روايةٍ فوَّضَ إليَّ عبدي، وإذا قالَ العبد : (إياكَ نعبدُ وإياكَ نستعينُ) قال رب العزة: هذا بيني وبين عبدي نصفينِ ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ: (اهدنا الصراطَ المستقيمَ صراطَ الذين أنعمتَ عليهم غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالينَ) قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سألَ”، هذا لمن دخل الصلاة خاشعا قلبه مستحضرا عظمة ربّه، فإذا صلّى العبد بهذه الكيفية دخل باب القرب من الله، فينضبط سلوكه ويستقيم حاله وخُلُقه.





























