دار الإفتاء: مخالِفة للقيم الدينية والأعراف المجتمعية
كتبت- إسراء طلعت
في ظاهرة غريبة على المجتمع المصري والعربي، بدأت تنتشر خلال السنوات الأخيرة صور ومقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي لأشخاص يحتفلون بالطلاق أو حتى بوفاة أحد الأقارب، من خلال إقامة تجمُّعات، أو صناعة “تورتة” مكتوب عليها عبارات مثل: «مبروك الطلاق» أو «تحرَّرنا»، بل وصل الأمر أحيانًا إلى الاحتفال بالموت باعتباره “خلاصا” من معاناة أو علاقة!
هذه المشاهِد فتحت بابًا واسعا للتساؤلات: هل يجوز شرعا الاحتفال بمثل هذه المناسبات؟! وهل يُعدّ ذلك مخالفة للدّين والأعراف؟! أم أن الأمر يختلف باختلاف النّيّة والسياق؟!
حَسَمَ د. هشام ربيع- أمين الفتوى بدار الإفتاء- الجدل الدائر حول هذه الظاهرة، مؤكّدًا أن هذه الممارسات تتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية وقيَمها الأخلاقية والإنسانية، والتى وضعت لكل حدث إنساني إطارًا شعوريا وسلوكيا منضبطا، يراعي حُرمة الإنسان ومشاعر الأطراف كافّة، مشدّدًا على أن تحويل وقائع مؤلِمة أو استثنائية إلى مناسبات احتفالية يُعد خللًا في الفهم الديني والسلوكي.
أوضح د. هشام، أن الطلاق في الإسلام ليس حدثًا يُحتَفل به، وإنما هو حلّ اضطراري تلجأ إليه الشريعة عند تعذُّر استمرار الحياة الزوجية، لافتًا إلى أن النبي ﷺ وصَفَه بأنه «أبغضُ الحلال إلى الله».
وقال: إن الاحتفال بالطلاق، سواء بصناعة “تورتة” أو إقامة تجمّعات أو نشر مظاهر فرح علنية، يتنافى مع الحكْمة التي شُرع من أجلها الطلاق، والتي تقوم على تقليل الأضرار، وحفْظ الكرامة، والسَّتر بين الزوجين، خاصة في حال وجود أبناء.
أضاف: أما ما يحدث من تلك الممارسات فإنه قد يدخل في باب “الشَمَاتة”، وكسْر الخواطر، والتشهير بالطرف الآخر، وهو أمر مرفوض شرعًا وأخلاقيًا، حتى لو كانت العلاقة الزوجية قد انتهت بسبب خلافات أو أذى.
الفرح بزوال الأذى!
وفي ردّه على من يبرّرون الاحتفال بالطلاق، بأنه تعبير عن التحرُّر من علاقة مؤذية! أوضح “أمين الفتوى” أن الارتياح بزوال الضرر شعور إنساني لا يُحاسَب عليه الإنسان، لكن الإشكال يكمن في طريقة التعبير، والشريعة تفرِّق بين الفرح القلبي المشروع، وبين إظهار الفرح المبالَغ فيه أو تحويل الطلاق إلى “إنجاز اجتماعي” يُعلَن ويُحتَفل به، مُعتبرًا أن هذا السلوك يرسِّخ مفاهيم خاطئة، ويُفرِّغ مؤسسة الزواج من معناها، ويؤثّر سلبًا على استقرار المجتمع.
الاحتفال بالموت!
وعن الاحتفال بوفاة شخص ما، يشدِّد د. هشام ربيع، على أن هذا السلوك محرَّم شرعًا، ولا يجوز تحت أي مبرّر، فالموت موعظة وعبرة، وليس مناسبة للفرح أو التهليل. موضحا أن الشريعة الإسلامية قرّرت الحُزن المشروع، والدعاء للميّت، والصبر واحتساب الأجْر، حتى في حال وفاة شخص كان يعاني من مرض أو ألَم شديد، مشيرًا إلى أن اعتبار الموت “خلاصًا يُحتَفل به” تسطيح خطير لقيمة الحياة الإنسانية.
أضاف: إن إظهار الفرح بالموت، أو إقامة احتفالات أو صناعة “تورتة” بهذه المناسبة، يُعد استخفافًا بحُرمة النَّفس التي كرَّمها الله، ومخالَفة واضحة للأدب الشرعي والإنساني.
وأشار “أمين الفتوى” إلى أن انتشار هذه الظواهر يعكس تأثير ثقافة مواقع التواصل الاجتماعي، التي تسعى إلى لفت الانتباه وصناعة “الترند”، حتى لو كان ذلك على حساب القيم الدينية والأعراف المجتمعية.
وأكد أن الحرية الشخصية لا تعني تجاوز الضوابط الشرعية، ولا تبرِّر تحويل المآسي أو الفِراق إلى محتوى استعراضي، لافتًا إلى أن المسلم مطالَب بأن يزِن أفعاله بميزان الشرع، لا بعدد المشاهَدات أو التفاعلات.
واختتم د. هشام ربيع، بالتأكيد على أن الاحتفال بالطلاق مكروه شرعًا، وقد يصل إلى التحريم إذا اقترن بإساءة أو تشهير أو شَمَاتة، كما أن الاحتفال بالموت محرَّم شرعًا بشكل قاطع، أما التعبير المشروع يكون بالشّكر لله، والدعاء، والالتزام بالستر، دون مظاهر احتفالية أو استفزازية.
وشدَّد على أن النُّضج الديني والإنساني يظهر في كيفية التعامل مع الأزمات والفراق، لا في تحويلها إلى مناسبات فرح مُصطنع.






























