الحديث عن الوطن / الأرض / العرض ؛ضرورة من الضرورات الملحة على كل من يكتب الكلمة الرسالة / القضية هذه الأيام ،لاسيّما ونحن نرى اليوم من حولنا أوطانًا تُستباح ؛نهبًا ،وسلبًا ،طغيانًا ،وقهرًا ،” والعينُ تشهدُ ..والقلوب ..وأَنّةُ الأطفال ..والراياتُ والصّلواتُ تُذبحُ فوق رملٍ يَتّقدْ ..ومآذنٌ كَسَرتْ أذانَ الفجرِ ..فانْعصَرتْ شُموسٌ ..قَطّرَتْ آلامَها فوق الزبدْ / والصّمتُ يُخرسُ قادةَ الدنيا .. ولو صَاحتْ بقلبِ الليل عاهرةٌ ..لَهَبُّوا ..إنّهُ صوتُ الجسد !! .. لكنه الوطن الذي يُفتدى بالعزيز والغالي ،وبالنفس والروح ،بل وبالدنيا ،وصدق أمير الشعراء حمد شوقي :
لنَا وطنٌ بأنفسنا نَقِيهِ * وبالدّنيا العريضةِ نَفْتَديهِ
ذلك أنّ حبّ الوطن فطرةٌ عند كل كائن حي ،إنسانًا كان أم غير إنسانٍ ،فهو يمتلك مشاعر الإنسان ،ويأخذ بقلبه ويستولى على فكره ،خاصةً إذا فارقه أو بَعُد عنه ،أو أُخرج منه ،ولو لوقت محدود .وقد عرف أجدادنا العرب ذلك قديمًا ، وعبّروا عنه ، فقالوا :” تُربة الصِّبا تَغرِسُ في القلبِ حُرْمَةً وحَلاوةً ، كما تَغرِسُ الوِلَادَةُ في القلبِ رِقّةً وحَفَاوةً ” ،ولنا في رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم ) الأسوة الحسنة ،فها هو ذا يُخاطبُ مكة المُكرّمة – أفضلُ البِقاعِ على وجهِ الأرضِ، وأحبُّ البِلادِ إلى اللهِ تعالى ،والتي شُرِّفَت ببيتِ اللهِ الحرامِ – مُودِّعًا إيّاها ،وهي موطنُه الذي أُخرِجَ منه ،فقد رُوي عن عبدالله بن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال :” قال رسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ) لمكَّةَ ” ،أي :حينَما خرَج مِنها مُهاجِرًا إلى المدينةِ بإذنِ ربِّه عزَّ وجلَّ :ما أطيبَكِ من بلدٍ وأحبَّكِ إليَّ ،ولولا أنَّ قومِي أَخرَجُونِي مِنكِ ما سَكَنتُ غيرَكِ ” .استقرّ الحبيب المصطفى (صلّى الله علي وسلّم ) في المدينة المُنوّرة ،وأسّس فيها دولة الإسلام ،ولم ينس مكّة الوطن / الأم ،حتّى كان من دُعائه (صلّى الله عليه وسلّم ) من حديثه الذي روته السيدة عائشة – رضي الله عنها -: ” … اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أوْ أشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في صَاعِنَا وفي مُدِّنَا، وصَحِّحْهَا لَنَا، وانْقُلْ حُمَّاهَا إلى الجُحْفَةِ … ” .
هكذا كان قُدوتُنا وأُسوتُنا حضرة النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم ) يحملُ في قلبه الطاهر محبّته الإيمانية الصادقة للوطن الأم مكة ، ذلك أنّ من حكمة الله – جلّ جلاله –أنْ جعل محبّة الأوطان فطرة في وجدان أهلها ،فنبضت بها القلوب ،وجرت
بها الدماء في العروق ،فعمرت بهذه المحبّة ،لنتذكر هنا مقولة الخليفة الراشد الفاروق عمر – رضي الله عنه – :” عَمّرَ اللهُ البُلدانَ بِحُبِّ الأوطانِ ” ،وفي أيّامنا هذه ،أمامنا وطنٌ نحمله في قلوبنا ،يحتاج من قلوبنا طهارة القلوب ،ولا يُنقّي القلوبَ إلّا المحبةُ ،وهذه المحبّةُ لا تتحقّق إلّا بِمَا شرعهُ اللهُ وآتانا به الرسول الكريم (صلّى الله عليه وسلّم ) ،فهذا هو الحقُّ وهو الدائمُ الباقي ،وهذا يتطلب أولًا أنْ نعتصم بحبل الله ،ونتآلف ونتآخى ،ونتعامل بِوُدٍّ فيما بيننا ،فالله يقول في محكم آياته :{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا …} آل عمران :من الآية (103) ،وهو القائل سبحانه :{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ … } الحجرات : من الآية (10) ،والنبيّ (صلّى الله عليه وسلّم )هو القائل : { … وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا …) ،فلا تخاصم ، ولا تنافر ،ولا فرقة في الإسلام ، ولا حقد ،ولا أنانية ،والهادي ( صلّى الله عليه وسلّم ) أخبرنا فيما رواه أنس بن مالك : ” والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ من الخيرِ” .
وكم يحتاج وطننا اليوم إلى قلوب حانية رحيمة سليمة منفتحة على الخيرات ، واعية بحقّ ربها بحقوق من حولها ،” مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ،وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ ،مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى ” ،ونحن أخوة في الدين ،فالإسلام يجمعنا ،والإيمان يرفعنا إلى مراتب اعتزاز بعضنا ببعض ،{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ …} التوبة : من الآية (71) وحبيبنا (صلّى الله عليه وسلّم ) يُنادي فينا ناهيًا ومحذرًا من صحيح الإمامين فيما رواه أبوهريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : ” لا تَحَاسَدُوا ،ولا تَنَاجَشُوا ،ولا تَبَاغَضُوا ،ولا تَدَابَرُوا ،ولا يَبِعْ بَعْضُكم على بَيْعِ بعضٍ ،وكُونوا عبادَ الله إخوانًا ،المسلمُ أخُو المسلمِ ؛لا يَظْلِمُهُ ،ولا يَخْذُلُهُ ،ولا يَكذبه ،ولا يَحْقِرُه ،التقوى ههنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بِحَسْبِ امرِئٍ من الشَّرِّ أن يَحْقِرَ أخَاه المسلمَ ،كُلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ :دَمُهُ ،ومَالُهُ ،وعِرْضُهُ “. ونحن أخوة كذلك في الوطن ،والوطن في حاجة إلى حُسن تعاملنا بالمحافظة على سلامته، ومؤسساته في حاجة إلى تآلفنا من أجل أن يستعيد قُوتّه وقانونه ، للحفاظ على سلامته وأراضيه وعرضه ، ليس من العدوان والدخيل الذي يتربص بنا وحسب ، بل حمايته والحفاظ على أسراره الداخلية ، والذود عنه بمواجهة الفكر الهدّام ،والإشاعات الكاذبة المغرضة ، أو محاولات استقطاب بعض الأفكار التي تنال من ثوابت الأمة لمصلحة المشبوهة ، وما أكثر هذه المحاولات في واقعنا المعيش التي شُرع من أجلها الجهاد في سبيل الله دفاعًا عن الوطن والأرض والعرض ..
ويكفي وطننا أنه خير الأوطان ،ويكفيه شرفًا أن قال في حقّه ربّ العزّة سبحانه: {… ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } يوسف : من الآية (99) ،وقال في حق جنده وأهله
سيد الخلق (صلّى الله عليه وسلّم) ، والذي ذكره العجلوني في كشف الخفاء ونصه : عن عمرو بن العاص قال :حدّثني عمر – رضي الله عنه – أنه سمع رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : ” إذا فتحَ اللهُ عليكم مصرَ بعدي ، فاتّخذوا فيها جُندًا كثيفًا ، فذلك الجند خير أجناد الأرض ” قال أبو بكر – رضي الله عنه – ولم ذلك يارسول الله ؟ قال :” إنهم في رباط إلى يوم القيامة ” ،وهذا يُحتّم علينا أن نكون جميعًا عيونًا ساهرة لحماية أمن هذا الوطن العزيز ،وأن نتضامن جميعًا لدرء أي خطريُهدد سلامته ،وردع من تُسوّل له نفسه أن يجترئ على عرضه وحوضه ، وصدق حكيم العربية زهير بن أبي سلمى :
ومَنْ لَمْ يَذُدْ عنْ حوضِهِ بِسلاحِهِ * يُهَدَّم ، ومَنْ لَا يظلِمِ النّاسَ يُظلَمِ
حفظ الله مصرعزيزةً أبيةً ،سخيّةً آمِنةً مطمئنةً ،،،






























