بقلم : فتحي العفيفي
كلية الدراسات الآسيوية – جامعة الزقازيق
فقد علم مقارنة الأديان في العالم أكبر منافح عنه في التاريخ الإنساني بأسره.
فقدت كلية الدراسات الآسيوية العليا أحد أهم أعلامها، ورموزها، ومؤثريها عبر تاريخها على الإطلاق.
فقدت جامعة الزقازيق أحد أهم المخلصين لرسالتها العلمية، والإنسانية، والوطنية عبر تاريخها العريق.
فقدت مصر واحدة من سيداتها الفضليات المؤمنات بالوطنية، والإخلاص للفكر الجمعي العام دون تمييز، أو إقصاء، أو تهميش.
فقدنا جميعًا مؤسسة علمية رائدة، وجهد إنساني خلاق عظيم، ومحب للحياة.
الدكتورة هدى محمود درويش
أستاذ علم مقارنة الأديان بجامعة الزقازيق
نموذج للكفاح، والنضال فقد بدأت حياتها في مركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس، وما إن سمعت عن إنشاء معهد الدراسات الآسيوية بجامعة الزقازيق عام ١٩٩٣م حتى بادرت بالإلتحاق به، لتدرس مرحلة الدبلوم، ثم الماجستير، فالدكتوراة، وحصلت على جائزة أفضل رسالة دكتوراة على مستوى الجامعة، ثم جائزة الجامعة التشجيعية، تقديرًا لعطاءاتها العلمية المتميزة.
تدرجت في كل المناصب الجامعية، وهي: (المترفة المنعمة): ولم تكن بحاجة إلى كل هذا العناء، إلا أنها كان لديها إصرار ودأب لا يتوافر في أصلب الرجال، فمن طالبة إلى مدرس فرئيس قسم، ثم وكيل وعميد لمعهد الدراسات الآسيوية في نادرة لم تحدث، إلا في حكاوي الأساطير، إلا أنها كانت لدى هدى درويش أمرًا عاديًا جدًا.
في الإضافة العلمية، كانت د. هدى درويش صاحبة مدرسة متميزة على مستوى العالم، سواء تعلق الأمر بقسم مقارنة الأديان، القسم غير المناظر، ولا بالمتكرر على مستوى الجامعات المصرية المدنية، أو جهودها في التعايش، والأنسنة، والحوار، فقد كانت مؤمنة برسالتها بطريقة مذهلة، إلى حد لا يمتلك المرء حياله، إلا أن يقدم له التحية والإعزاز، والتقدير.
أنشأت في جامعة الزقازيق العريقة: (مركز الدراسات الإسرائيلية)، لأول مرة في الجامعات المصرية، ليكون منبرًا لإدارة الصراع ضد إسرائيل بالفكر، والعلم، ودراسة تناقضات المجتمع الإسرائيلي، وتقديم أوراق تقدير الموقف الإستراتيجي، ودراسات للخبراء، وصناع القرار في الدولة المصرية.
من الصفحات المضيئة للدكتورة هدى درويش، رعايتها لأبنتها الرائعة مي هشام من ذوي الإحتياجات الخاصة، رعاية، وتعليم، حتى جعلت منها بطلة أوليمبية والإنفاق عليها في التعليم والرياضة، دون أن تشعرها بأي ضجر، كانت تحمل أمانة تنوء من حملها الجبال، وحدها هدى درويش تحملت، وصبرت، وأحتسبت طلاب العلم من باحثي الدبلوم والماجستير والدكتوراة، كان لديها صبر وأناه في المتابعة والتحمل، معطاءة لأقصى مدى، صبورة إلى ما لانهاية. لديها إيمان راسخ برسالتها في الحياة.
رحيل يليق بمكانتها العظيمة. لم تكن إلا مبتسمة في بشاشة الضياء، وأراد الله أن يكون رحيلها رحيل يليق بها، فلم يتثاقل منها أحد فقد أخذ الله أمانته في ثوان معدودات وهي في طريقها إلى العمل، ولم تترك لنا فرصة لوداعها، ولم تمهد لذلك، طيف عابر في حياتنا، وطيف عابر في الفراق، ذهبت مبتسمة تلوح بطيفها، وكأنها تقول لأحبابها ألقاكم عند رب كريم، فقد أشتاقت نفسي إلى لقاء ربي.
نرحل ويبقى الأثر. فقد تركت د. هدى درويش أثرًا طيبًا في المعاملة، وحسن الخلق. وأثرًا طيبًا في العديد من الدراسات والأبحاث المتميزة في مجال مقارنة الأديان.
وأثرًا طيبًا في العديد من رسائل الماجستير والدكتوراة إشرافًا ومناقشة.
وأثرًا طيبًا في الحضور الطاغي. والكاريزمـا المفرطة، حيثما حلت في المؤتمرات، والندوات بالعديد من الجامعات المصرية. سفيرة النوايا الحسنة للعلم المستنير.
وأي مصادفة هذه، بل أي فأل حسن هذا، وأي رمزية تلك التي قادت وفاة عالمتنا الجليلة مبدعة في علم حوار الأديان، وتلاقي الحضارات، بجوار مسجد سادات قريش في مدينة بلبيس، وهي في طريقها إلى العمل بجامعة الزقازيق، أول مسجد بني في مصر، والذي بني في عام 18 ه/640م، بالتزامن مع مسجد عمرو بن العاص، تخليدًا لذكرى استشهاد الصحابة أثناء فتح مصر، أليست كل هذه نفحات وفيوضات حسن الخاتمة، ولمن تكون غير هدى درويش.
سكت القلب النابض بالفيوضات النورانية.
تعلم الناس من هدى درويش بعيدًا عن الجوانب العلمية الراسخة في شخصيتها رسوخ الجبال. تعلموا حب الناس، كل الناس حتى أولئك الذين قد أحسنت إليهم، وأساءوا لك وتنكروا لوقوفك إلى جوارهم. فقد فعلت النبض الإسلامي السمح في ذلك. رد عليهم بالمزيد من الإحسان إليهم.
تعلم الناس من هدى درويش الإنفاق في السر والعلن، وإغاثة الملهوف، والبر ، والصدقة حتى لو كان هذا أخر مليمًا في جيبك، وكانت مقصدًا للمحتاجين. وكثيرًا ما سمعت من بعض أحبابنا. كرتونة د. هدى بتكفي الشهر وزيادة. أي شهر رمضان الكريم.
تعلم الناس إدارة الحوارات العلمية والنقاشات بالابتسام، والبشاشة، وهي العالمة الجليلة، ولا تتورع أن تقول للجميع (أستاذنا).
تعلم الناس إلى جوارها ومزاملتها على مدى ربع قرن كامل التعايش، والتلاقي الحضاري بين الأفكار ، والرؤى، والمذاهب، والأديان، تجمع ولا تفرق، تمتدح، ولا تقدح، تبحث عن مشتركات الأنسنة، وقد جسدته واقعًا عمليًا، عندما بادرت باستضافة المفكر الكبير د. إكرام لمعي ليدرس المسيحية، ويشرف ويناقش العديد من رسائل الماجستير والدكتوراة في مقارنة الأديان. مبادرة جسورة، لا يقوم بها إلا هدى درويش. هي مؤسسة الدراسات الآسيوية في جامعات مصر، والزقازيق خاصة، كان حضورها إلى الكلية يضفي بهجة، وسعادة، وطاقة إيجابية طاغية تفرض نفسها على أرجاء المكان، وفي غيابها يحدث العادي التقليدي الباهت. كانت لنا مقولة ونحن زملاء لها. تعالى بكرة د. هدى جاية، وسيكون اليوم جميلا ومملوءا بالحضور من الباحثين، وكل من جاءوا، لينهلوا من عطاء العلم، والعمل، والأمل.
تعلمت إلى جوارها كيف يسهم الإنسان، أيا كان تخصصه في صوغ وعي ثقافي، وخطاب ديني مستنير، وكان من محصلة ذلك الجوار من حاملة المسك، أن أنتجت سبع مجلدات عن: (الخطاب الديني المعاصر. التفكير من خارج النص). قد مشت طريقًا يهزم التشدد، وحاربت التطرف بالفكر، وخدمت وطنها بإخلاص منقطع النظير.






























