
بقلم د. محمود حسن محمود
دكتوراه اللغة العربية قسم الأدب والنقد
جامعة أسيوط
إن للقرآن الكريم بصمة أسلوبية خاصة عند سرده للوقائع والأحداث، فلا يسرد الأحداث من زاوية التاريخ أو الأدب أو السير فحسب وإنما يتناول كل ذلك.
فقارئ التاريخ يجد بغيته، والأديب يجد مضامينه وقوانينه، وكاتب السيرة يجد متعته، والباحث عن الموعظة يجد العبرة والمثل والاستفادة من تجارب الآخرين، والعالم يجد ضالته، ومن ثم جمع القرآن الكريم في سرده للأحداث ما تبغيه كل شريحة من شرائح البشر على اختلاف آرائهم ورؤيتهم “قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ” (البقرة: 60).
ومن بدائع القرآن في سرد الأحداث ما جاء عن حدث رحلة الإسراء والمعراج تلك الرحلة الربانية التي تولى الله إدارتها من البداية للنهاية “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” (الإسراء:1) فعندما يختصر الزمن وتطوى المسافات في لحظات معدودة فلابد أن في الأمر شيئا معجزا وخارقا لعادة البشر، ولما كانت الآية القرآنية هي في الأصل حقيقة كونية فإن ما حدث في الإسراء والمعراج يتوافق تمامًا مع قوانين الطبيعة ولكن مع الفارق، بمعنى إن قوانين الطبيعة تقول بأن القوة تتناسب تناسبا طرديًا مع الزمن، فكلما زادت القوة زاد الزمن، هذا على صعيد قوى البشر فما بالك بقوة رب البشر التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء؟! إذًا ليس هناك زمن يكون “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” (يس:82). فكان اختصار الزمن وطي المسافات أمر خارق من بديع صنع الخالق وحده عبر القرآن عن أبعاد هذه الرحلة فكان لها أبعادها الروحية والاجتماعية.
أولا :الأبعاد الروحية: ١_ جاءت الرحلة تتويجًا لمرحلة جهد وعناء وتعب بدأت هذه المرحلة بفقدان الأنيس والسند زوجته خديجة -رضي الله عنها- وعمه أبي طالب وكان آخرها دما يُسال من قدمه الشريف إثر قذف بالحجارة من أرباب السفاهة وأطفال الطائف. لقد فقد النبي من يدير جبهته الداخلية ويؤانسها تلك الزوجة الصالحة التي كانت تضمد جراحه وتمسح العناء عن كاهله كما فقد درع الحماية لجبهته الخارجية عمه أبا طالب مما جعله عرضة لأذى أهل مكة هو ومن تبعه من المسلمين، فجاءت الرحلة تفريجًا للكرب وإعلاما من الله لنبيه والمؤمنين أن بعد كل محنة منحة، وفي كل بلية تكريم، وقد ينصر المرء من عين ما يكره، فبعدما سدت قريش كل أبواب الدعوة أمام النبي، فرج الله له كل همه، ونفس كل كربه، ودعاه إلى قربه سبحانه، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، فكل ما يحدث للإنسان مسطور عند ربى، ومكتوب في عَالَمِ الغيب، فمن آمن ورضى فله الحسنى من الله، ومن سخط وغضب فلا يلومن إلا نفسه.
٢-اختيار النبي لقدح اللبن الذي يمثل الفطرة: وقول جبريل له: هديت للفطرة وهديت أمتك، وذلك يعني: أن النظم والقوانين والآيات والأحكام التي ستتلى عليك لتقيم دولة الإسلام على أساسها وتحكم بها بين الناس أنت وأمتك هي الفطرة التي لا يجد الناس حرجًا في الأخذ بها، والفطرة قد ينحرف بها صاحبها ولكنها تبقى دائمًا ولا تتبدل، وهذا يؤكد أن الإسلام دين الفطرة البشرية التي ينسجم معها، فالذي خلق الفطرة البشرية خلق لها هذا الدين الذى يُلبى نوازعها واحتياجاتها، ويحقق، طموحاتها ويكبح جماحها ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: 30).
3-إن من الآيات الكبرى التي رآها النبي ﷺ في هذه الرحلة العلية: السماوات والأرض والنور والملائكة والأنبياء وسدرة المنتهى، والجنة والنار، وسماع صريف الأقلام، وهذا إعلام الله بتزكيته للنبي إجمالًا وعصمته من الآفات في هذا المسرى، فزكى فؤاده ولسانه وجوارحه، وقلبه بقدرته تعالى “مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ” (النجم: 11) وزكى لسانه بقوله “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ” (النجم3) وزكى بصره بقوله. “مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ” (النجم: 17)؛ فكماكانت رحلة إحتفاء وتكريم كانت بيانًا لمناقبه وخصاله.
٤- أهمية المسجد في الإسلام: حيث بدأت الرحلة من المسجد الحرام وانتهت بالمسجد الأقصى، وهذا دليل على المكانة السامية التي يتبوؤها المسجد في الإسلام وجاءت فرضية الصلاة في المعراج لتعزيز هذه المكانة.
ثانيا: الأبعاد الاجتماعية: -في صلاة النبي بالأنبياء على اختلاف قومياتهم وشرائعهم: تعنى أن الإسلام يظلل بمبادئه وبعقيدته وبأخلاقه جميع المؤمنين، فلا يفرق بين أسود وأبيض، ولا عربي وعجمي، فتذوب القوميات والفوارق كلها في بوتقة الإيمان، ثم تسكب في قوالب الامتثال لشريعة الرحمن.
– الرحلة من المسجد الحرام إلى الأقصى رحلة مختارة من لدن اللطيف الخبير، تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل- عليهما السلام- إلى خاتم النبيين، وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعًا، وكأنما أريد لهذه الرحلة العجيبة: إعلان وراثة الرسول الخاتم لمقدسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدسات، وارتباط رسالته بها جميعا، فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان، وتتضمن معانى أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى.
– إن الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى:
وإمامته صلى الله عليه وسلم للأنبياء ثم عروجه منه للسماوات العلى يعنى: أن بيت المقدس جزء من أراضي الدولة الاسلامية المرتقبة، لأن صاحب البيت هو صاحب الحق بالإمامة في الصلاة، واقتداء الأنبياء به يدل على إقرارهم بأن المسجد الأقصى بقعة طاهرة من بقاع الدولة الاسلامية، فقد ظلّت النبوّات دهورا طوالا وهي وقف على بني إسرائيل، وظلّ بيت المقدس مهبط الوحي، ومشرق أنواره على الأرض، وقصبة الوطن المحبب إلى شعب الله المختار، فلما أهدر اليهود كرامة الوحي، وأسقطوا أحكام السماء، حلّت بهم لعنة الله، وتقرّر تحويل النبوة عنهم إلى الأبد! ومن ثمّ كان مجيء الرسالة إلى رسول الله؛ انتقالا بالقيادة الروحية في العالم من أمة إلى اخرى، ومن بلد إلى آخر، ومن ذرية إسرائيل إلى ذرية إسماعيل، وقد كان غضب اليهود مشتعلا لهذا التحوّل، مما دعاهم إلى المسارعة بإنكاره: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ (البقرة:٩٠).
-الامتحان والتمحيص لضعاف الإيمان والتثبيت للمؤمنين: كانت امتحانًا واختبارًا لذوي الإيمان، هل يصدقون؟ أم يتلكؤون ويترددون؟ قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2، 3]، فقد كان رسول الله مقدمًا على مرحلة جديدة (الهجرة) ويريد أن يبنى فيها دولة بناءً قوياً متماسكاً برجال أقوياء في إيمانهم، أشداء في صبرهم، فجعل الله رحلة الإسراء اختبارًا وتمحيصًا، ليخلص الصف من الضعاف المترددين الذين في قلوبهم مرض، ويثبت المؤمنون الأقوياء الخلص الذين لمسوا إيمانًا صدق نبيهم بعد أن لمسوه تصديقًا.
– إظهار شجاعة النبي العالية وذلك في مواجهته للمشركين بأن ينكروه بعقولهم ولا تدركه تصوراتهم، فكان ذلك الجهر بالحق أروع مَثَلٍ أمام أهل الباطل.
– التأكيد لرسول الله أن الله ناصره وأن شأنه سيعلو، وأن شريعته ستمتد حتى تصل لبيت المقدس، وأن الله سيسخر له من جند السماء، بعد أن امتنع عليه جند الأرض.
الشدائد تبين معادن الرجال: من السهل أن يجد الإنسان أصدقاء كثيرين عند الرخاء، لكن عندما تشتد الأزمة، وتضيق حلقاتها، لا يبقى إلا المخلص الصدوق، فكان أبوبكر وقدصدق الصحابي الكريم- علي بن طالب حين يقول: (وَمَا أَكْثَرَ الْإِخْوَانَ حِينَ تَعُدُّهُمْ وَلَكِنَّهُمْ فِي النَّائِبَاتِ قَلِيلُ).
ضرورة الإسراء والمعراج: نعم، كانت ضرورة ملحة، خاصة قبل الهجرة بسنة، حيث حدثت في مكة هزة عنيفة ونشاط غير مسبوق، فالنقاش والجدال فيها يدور بين كافة الفئات، عن الدين الجديد الذي جاء به النبي وهذه الاخبار التى يتلوها عن السابقين بجمال لغة وقوة نظم يتحدى بها صناديد البيان والفصاحة، ويستتبع هذا نقاشا حول مبادئ الإسلام نفسه وما فيه من سماحة منقطعة النظير في أجواء ساد فيها كل خلق بغيض فيدخل الناس الإسلام أفواجا، ولا يخرج منه إلا قلة آخرون تربت نفوسهم على التكذيب والإنكار والنفاق، فكشفهم الله لنبيه وميزهم بإنكارهم وإعراضهم بعد أن أفصح النبي عن هذه المعجزة الربانية العظيمة فكانت تبيانا له عن مكنونات الصدور، وأتاح له سبحانه وتعالى سبر أغوار الناس جميعاً، حتى بان الأمر وظهر واضحا للنبي في كيفية انتقاء معادن الرجال التي يمكن الاعتماد عليه في بناء هذه الدولة، ومن يجب استبعاده، وكان من الميسور على النبي بعد ذلك التمحيص وضع الرجل المناسب في مكانه اللائق به.
ستظل رحلة الإسراء والمعراج شاهد عيان على مكانة النبى عند ربه فلم يخص الله بهذه الرحلة أحدًا قبله أو بعده كما أنها أعطت درسًا للأمة مفاده:- “إن مع العسر يسرًا” و”إن الله غالب على أمره”.






























