شهدت الأسابيع القليلة الماضية ضربتين عظيمتين في رأس الإلحاد الذي أصبح موضة هذه الأيام، الأولى كانت في القاهرة والثانية في كلكتا بالهند، وفي الحالتين كان الإسلام هو الذي يواجه الإلحاد ويقهره، لأن الإلحاد في هذا الزمان لا يستهدف إلا الإسلام من بين الأديان جميعا، حتى الأديان الوضعية لم يعد أحد يمسها بسوء، وقد وجدت عبادة البقر من يوقرها ويحترم مشاعر أهلها، فلا تشهير ولا اتهام ولا تشكيك، لكن الله تعالى كتب النصر للإسلام رغم مكر الماكرين.
أما في القاهرة فقد سقط فيلم (الملحد) سقوطا مزريا، وتحدثت تقارير عديدة عن إعراض الجمهور عنه، ما يعني ببساطة عدم الإقبال علي هذا النوع من المحتوى المخادع، الذي يلعب على وتر التنوير ومجابهة الأصولية الدينية بينما هو في الحقيقة يدسّ السُّمّ في العسل، ويطرح أفكار الإلحاد بقوة، ويدعمها بحجج مدججة خبيثة، ويجعل الرد عليها متهافتا واهيا، ليصل إلى النتيجة المطلوبة، وهي أن الالتزام الديني يقود مباشرة إلى الإلحاد والاضطراب النفسي والتطرف والتخلف والإرهاب، بينما التديّن الشكلي الذي يهتم بالقشور والطقوس الفلكلورية هو الأكثر قبولا، وهو المعنى الحقيقي للدين.
لقد مر (الملحد) كأفلام الدرجة الثالثة، ولم يحدث الضجة الواسعة التي كان يتغياها صانعوه ومن وضعوا عنوانه المستفز، والسبب يرجع إلى وعي المصريين، فقد فهموا اللعبة، وتعلموا من التجارب السابقة، فلم يستفزوا ولم يثوروا، فالهدف كان إثارة عاصفة من الصخب والضجيج، تعود بالنفع الكبير على أصحاب الفيلم.
ولعل عدم الإقبال على (الملحد) بالشكل الذي كان متوقعا، وضعف الإيرادات، وإعلان المنتج عدم الاتجاه لمثل هذا النوع من الأفلام مستقبلا، ما يشكل استفتاء تلقائيا على أفكارالمؤلف إبراهيم عيسى، بل على مشروعه بالكامل، فرغم توافر أسباب النجاح الفني للفيلم، والتمويل غير المحدود، ورغم الدعاية الكثيفة وحشد النخبة للترويج له من مشاهير الفن والرياضة والسياسة، وشيوخ الإعلاميين والإعلاميين الشيوخ، وكل من يريد الحصول على صك البراءة من التطرف، إلا أن الفيلم لم يصل إلى النجاح المخطط له في دوائر العلمانيين والملحدين والتكوينيين ودعاة التغريب، وكان سقوطه ضربة قاصمة في رأس هؤلاء جميعا، كأنما أراد الله أن يكشف تهافتهم وانفصالهم عن شعبهم.
وأما في الهند فقد جرت أكبر مناظرة تاريخية 20 ديسمبر الماضي بين الداعية الهندي المعروف شمائل الندوي (27 عاما)، والكاتب والشاعر الهندي الأشهر جاويد أختر زعيم الملحدين، ولم تكن المناظرة مجرد مبارزة دينية بل مواجهة فكرية عقلانية، اعتمدت على المنهج العلمي وسلامة المنطق وقوة الحجة، ومنذ البداية كان تفوق الداعية الشاب ملحوظا، وكانت ثقته بنفسه وبقضيته عاملا مهما في رباطة جأشه، وإبراز قدراته في الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام، مما جعل تأثيرة واضحا ملموسا على جمهور الحاضرين وعلى عشرات الملايين الذين تابعوا المناظرة عبر الشاشات.
لم تكن المناظرة مجرد حدث إعلامي لتبادل الاتهامات والتوبيخ والتخوين، وإنما كانت فرصة أمام الداعية الندوي للرد على أسئلة وجودية عن الله والإنسان والمنهج والحقيقة وفق رؤية الإسلام، وكانت ردوده المنطقية العقلانية قادرة على دحض الإلحاد، وإبهار الملايين بحجج التوحيد وبيان أصول الإيمان والعقيدة بهدوء، بعيدا عن ثقافة الكراهية والتعصب، مما كان سببا في إسلام الكثير من الهنود.
ووفقا لتعليقات الجمهور فإن المناظرة هزّت شبه القارة الهندية، أما “جاويد أختر” فقد أسقط نفسه بنفسه عندما سأله الداعية الشاب عمن يقرر للناس قيمهم العليا فأجاب: “الناس أنفسهم من يقررون لأنفسهم، ما تقرره الأغلبية منهم هو الحق”، فقاطعه الداعية: “لقد قررت معظم البشرية أن لهذا الكون خالقا، وأنت تنكر وجوده!!”.
لقد أعادت المناظرة الاعتبار للعقل في زمن الصراخ والضجيج المثار حول الإسلام والمسلمين، وطرحت السؤال الذي يخشاه الجميع: هل الإلحاد إجابة عن الأسئلة الوجودية أم هروب منها؟ وهل الإيمان وراثة أم اختيار واع؟
وما زالت فيديوهات المناظرة متاحة على اليوتيوب مترجمة إلى العربية، لعلنا نتعلم منها كيف يكون الحوار بالعقل أقوى حجة وأكثر فائدة من الصراخ في رحلة البحث عن الحقيقة.






























