
هذا المقال لمن لا يزال يتجادل متى كان الإسراء والمعراج، والمؤكد أن الإسراء والمعراج قد وقع وبقي أن نتعلم
لقد بدأت سورة الإسراء بكلمة “سبحان”، ومن العلماء من سماها سورة سبحان، ومنهم من سماها سورة بني إسرائيل، وأن أختار من أقوال علمائنا مسمى “سبحان”.
إن هذه الكلمة مفتاح فهم السورة، ومرتكز معانيها، ومفتاح يفتح باب الرجاء لكل من خاب رجاؤه، إن هذه الكلمة تقول لكل داخل على قراءة السورة: سوف تجد عجباً خارجاً عن مألوف العقل، وسوف تدهشك خوارق لا تخضع لقانون الأسباب، فدع عنك ما اعتاده الناس من مقاييس المنطق، ولا تتنبأ ما سوف يحدث بناء على مألوف العادات.
ثم عليك ألا تتسرع في فهم مقصودنا من كلمة “خوارق العادات”، فينصرف ذهنك إلى حادثتي الإسراء، والمعراج فقط؛ فتقع في شَرَك التصور الخاطئ، والفهم القاصر، فالذي أقصده هنا من الخوارق أمرين:
1) الأول حادثة الإسراء التي خرقت ما اعتاده الناس من قوانين الطبيعة.
2) الثاني خارقة المنهاج الإلهي الذي يهدي للتي هي أقوم، إنه تأثير القرآن الكريم الذي أعاد صياغة الإنسان العربي فحوّله من أعرابي قَبَلي محدود التفكير، ضئيل الطموح، متواضع القدرات، إلى رجل بصير بأحوال العالم كله يشعر من صميم قلبه أنه مسئولٌ عن هداية العالم، ومكلفٌ بأخذه إلى طريق الحق، ومتيقنٌ أنه قادر على امتلاكه امتلاك الحريص على مصلحته، وتغييره التغيير اللازم لتحقيق سعادته. والعجيب أن تتخطى بصيرته عالم الشهادة إلى عالم الغيب فيرى الغيب من ستر شفيف، لقد حولت خارقة المنهاج الأعرابي الهائم في مفاوز الجزيرة إلى رجل واع نافذ الفكر عظيم القدرات، عالمي الطموح أسر العالم كله حباً عدلاً، أو أخضعه هيبة وقهراً.
إن معجزة المنهاج (القرآن الكريم) أعظم أثراً من معجزة الإسراء، هذه المعجزة التي قال الله فيها: “إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)” [الإسراء]. ويظل القرآن يهدي للتي هي أقوم إلى أن تقوم الساعة، ويظل يتنزل إلى قيام الساعة، ويظل قادراً على إعادة صياغة الإنسان مهما ترهلت إنسانيته، وتصيين فطرته إذا تشوهت، بشرط أن يجد القرآن قلباً مقبلاً، ووسطاً قابلاً، عندها سوف يرى الجميع من المؤمن ويعجبون منه؛ ولهذا يندهش أعداء هذا الدين كثيراً قائلين: “كيف حدث هذا؟!!”، إن هذا السؤال المندهش صرّح به المرتدون حين انكسروا أمام القلة المؤمنة الثابتة في المدينة، وحين انسحب الروم خوفاً من جيش أسامة، وعاد جيش أسامة الفتى الذي لم يبلغ العشرين من عمره، وصرخ به الصليبيون في حطين، وضج به العالم في عين جالوت، ثم أعادوا الصرخة هائلة حين أسلم التتار، ونشروا الإسلام ، ثم عاد السؤال في زمننا يصيح به العالم وعيونهم مصوبة إلى ثلة قليلة في أرض غزة يثبتون أمام أشرس قوة عرفها التاريخ، ومر أكثر من عامين – حتى كتابة هذه السطور – ولا زال الناس يقولون “كيف يحدث هذا؟!!”، وهم لا يدرون أن القلوب التي تزكت بهدي القرآن أثبت من أوتاد الجبال، وأن العقول المستنيرة بنور القرآن أنفذ من الذكاء الاصطناعي، أن الأجسام التي انبثت فيها روح الوحي ونوره لا تخضع لتصورات من يعبدون القوة.
إنها كلمة “سبحان” تقول لك: آمن قبل أن تقرأ السورة بأن لهذا الكون إلهاً قديراً يكتب المقادير، ويسبب الأسباب، ويفعل ما يريد، وهو إله قدوس له الكمال والجلال، والجمال، وهو إله حكم يُنَزِّل من الأحكام ما تستقيم به أمور خلقه بأحكام كونية تضبط حركة الكون، وأحكام شرعية تضبط معاملات الناس، فالحكم – سبحانه – له في كل شيء حكم، وله في كل حكم حكمة، وكتابه منهاج يهدي للتي هي أقوم، وغيره من المناهج تجرف الإنسان إلى ظلمات القبح: قبح الفكر، وقبح السلوك، وقبح المعيشة.
إن كلمة سبحان تقول لك ضع كل قوانين الأرض في سلة القدر الإلهي، فلا شيء يخرج عن قدر الله، والقَدَرُ قدرةُ الله، يأذن الله لقوانين الأرض أن تفعل فعلها؛ فتجري القوانين بإذن ربها كما اعتاد الناس؛ فينزل المطر، وتنبت الأرض، ويأكل الناس، وتتناسل المخلوقات، وتدور دورة الحياة، ويتشكل الاجتماع البشري، وتتحقق سنة التاريخ الجارية التي عبر عنها بعضهم بقولهم: “التاريخ يعيد نفسه، ولا جديد تحت الشمس”.
ويقدر الله فتتوقف القوانين المعتادة ليكون ما يريد الله من المعجزات، والكرامات، فينشق البحر، ويصير الماء جبلاً، وينشق القمر ويراه الناس نصفين، وتنتصر قلة مؤمنة على كثرة كافرة، وينهض مستضعف، وينكسر قوي، فيقول الناس: “التاريخ لا يسير في خط مستقيم”، ويقول المحللون: “لكل قاعدة شواذ، والاستثناء يؤكد القاعدة”، ويقول المؤمنون بقدرة الله ما قاله الرجل الصالح: “أعلم أن الله على كل شيء قدير “، هذه المقولة قالها الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، فأماته الله مائة عام، ثم بعثه، فعاد إلى الحياة مرة أخرى ونظر حوله، فرأى حماره قد مات، وأكلته الأرض، وبقيت عظامه تدل عليه، والمفارقة أن الطعام لم يزل على حاله، مرت السنون عليه ولم يتسنن، والطعام – بحكم قانون الأرض الذي اعتاده الناس – أسرع تعفناً من الحمار الميت، لكن العبرة الكبرى في هذه القصة القرآنية هي أن الأمور تجري بقدر الله، وأن الأسباب ليست فاعلة بنفسها، وإنما تفعل بقدر الله فيها، وإذن الله لها، وأن الكون ليس آلة ميكانيكية مبرمجة الحركة فيها تتولد من طاقه، وأن الكون ليس فيزياء ناطقة لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويضاده في الاتجاه، والحق أن لهذا الكون إلهاً ضبطه بقوانين، لكنه – سبحانه – يخرقها إذا أراد تنبيهاً على قدرته، وإنفاذاً لإرادته، وتحقيقاً لحكمته، وإظهاراً لجهل الإنسان، وعجزه، وتثبيتاً للمؤمنين به.






























