تقرير: حسام وهب الله
في قراءة نقدية غير معتادة من داخل العمق الإسرائيلي، فجّرت المؤرّخة الإسرائيلية المعروفة “لي روثبارد” قنبلة فكرية عبر صفحات جريدة “هآرتس”، مفكِّكة واحدة من أكبر الأكاذيب التي قامت عليها السردية الصهيونية منذ بدايات الاستيطان: “فرية الارتباط الروحي لليهود بالأرض مقابل إهمال العرب لها”.
هل يحب اليهود الأرض؟!
التقرير الذي حمل تساؤلاً جوهرياً: “هل يحب المستوطنون اليهود الأرض؟”، يخلص إلى نتيجة صادمة للمجتمع الإسرائيلي ومطمئِنة للحق الفلسطيني التاريخي؛ وهي أن ممارسات المستوطنين اليهود التدميرية تجاه الطبيعة الفلسطينية تثبت افتقارهم لأي صلة حقيقية بهذه الأرض، وأن “فلسطينية المكان” تظل عصية على الطمس مهما بلغت أدوات الهندسة والتهجير.
زيف “عُقدة التفوّق” الصهيوني!
استهلَّت المؤرّخة حديثها بالعودة إلى الجذور التاريخية للحجّة الصهيونية التي صاغها الجغرافي “ميرون بنفنيستي”، والتي ادّعت قديماً أن العرب أهملوا الطبيعة ودمّروا الغطاء النباتي، مما أسقط حقّهم في الوطن، بينما زعم الصهاينة أنهم “عشّاق الطبيعة” الذين جعلوا الأرض تزدهر!
إلا أن “روثبارد” يرى أن الواقع الحالي عام 2026 قلَب هذه الآية؛ فالإسرائيليون اليوم يعيشون حالة انفصال عن المكان، ويشعرون بـ”إهانة لا واعية” نابعة من إدراكهم أن المشهد مهما تغيّر، يبقى في جوهره فلسطينياً فالقُرى الفلسطينية، مثل “فولاجا”، تستمد قوّتها من هذا التفاعل العضوي والجمالي بين الطبيعة والمجتمع الذي شكَّلها عبر الأجيال، وهو ما يفشل الاستيطان في مكاتبه الهندسية في محاكاته.
إرهاب المستوطنين
ينتقل حديث “لي روثبارد” إلى رصد تحوّل خطير في سلوك المستوطنين بالضفّة الغربية منذ أكتوبر 2023 وحتى مطلع 2026. ففي ظل تسجيل أرقام قياسية من العنف وصلت إلى متوسط 8 هجمات يومياً، لم يعد الاستهداف يقتصر على البشر، بل امتد ليشمل “حرب إبادة للطبيعة”.
مُعدِّدة قائمة بجرائم “اللا-انتماء” التي يرتكبها المستوطنون، ومنها: اقتلاع وحرْق آلاف أشجار الزيتون التاريخية.
إضرام النيران في حقول القمح وسرقة المحاصيل.
القتل العمْد لحيوانات المزارع من أغنام وحمير.
تدمير البنية التحتية لمجتمعات الرُّعاة والمزارعين الفلسطينيين.
هذه الأفعال، بحسب “هآرتس”، لا تدل على رغبة في “الاستصلاح”، بل على رغبة انتقامية في التدمير الشامل. المستوطن الذي يدّعي “حبّ الأرض” يجد نفسه في لحظة الحقيقة يختار “كراهية الفلسطيني” على “حماية الأرض”، فيدمّر الغطاء النباتي الذي يدّعي ملكيته.
من يدمّر ممتلكاته؟!
يستند التقرير إلى القاعدة البديهية التي وضعها “بنفنيستي”: “من ذا الذي يدمِّر أرضاً هي أرضه؟!”. هذا التساؤل يضع اليهود في مأزق أخلاقي وقانوني؛ فممارساتهم تثبت أنهم يتعاملون مع الأرض كـ”عدو” يحتاج للترويض أو السَّحق، وليس كـ”وطن” يستحق الرعاية.
وتختتم “روثبارد” رؤيتها بالتأكيد على أن محاولات الدولة العبرية طمس المكان أو إعادة هندسته قد نجحت في خلق كيانات أسمنتية، لكنها فشلت في انتزاع “الروح الفلسطينية” من المشهد الطبيعي. فبينما يتوق الرّوّاد الأوائل (بحسب زعمهم) للزراعة ومعرفة الطيور، يتوق المستوطن الحالي فقط للحكم والسيطرة، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى تدمير الأرض التي يزعمون العودة إليها.
اعتراف نادر
يأتي هذا التقرير في وقت حسّاس، ليؤكّد للرأي العام العالمي أن الصراع ليس مجرد نزاع على حدود، بل هو صراع بين “ارتباط أصيل” بالأرض يمثّله الفلسطيني الذي يزرع ويحمي، وبين “شهوة سُلطة” يمثّلها المستوطن الذي يحرق ويدمّر.
اعترافات “هآرتس” اليوم هي وثيقة إدانة تاريخية، تثبت أن الأرض، حتى في عيون أعدائها، ترفض أن تكون إلا فلسطينية، فما نشرته “لي روثبارد” يعكس انقساماً فكرياً داخل “النُّخبة الأكاديمية” في إسرائيل، حيث بدأ البعض يدرك أن “عنف المستوطنين” هو المسمار الأخير في نعش شرعية الوجود الأخلاقي للصهيونية على هذه الأرض.





























