تظل المِهن منذ فَجْر التاريخ صانعة الحضارات، قبل أن تكون رافدًا إنتاجيًّا أو اقتصاديًّا، أو وسيلة لكسبٍ مادي، وذلك لكونها وجهًا مُشرقًا يحمل المعرفة والثقافة وآداب المِهن وقيم المعاملات، التي يتوارثها الأجيال في تعبير مُبدع عن الهُوية الحضارية، والأمثلة على ذلك كثيرة نأخذ منها ما يتعلق بالأنبياء وحضارة الإسلام التي تواصلت مع محاسن الأمم السابقة، وحافظت على ما بقي من حضارتها، فمن ذلك بناء الكعبة بيدٍ شريفة وهي يد سيّدنا إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- وكيف أن مِهنة البناء شرُفت بالبِنَاء والبَنَّاءِ، وبقيت الكعبة المشرّفة قِبلة للمسلمين، والآن يعتبرها العالم “أيقونة حضارية” بما لها في قلوب المسلمين من مكانة.
وبقية الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- كان لهم مِهن ذكرها القرآن، فـ”داود” كان يلين له الحديد، قال تعالى: “وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ” فيصنع منه ما يشاء، وسيّدنا يوسف كان شخصية مالية بارزة، ورعي الأغنام والتجارة والزراعة والطب وغيرها مِهن شَرفت بالأنبياء، وآخرهم الجناب المكرّم- صلى الله عليه وآله وسلم- كان يعمل برعي الغنم والتجارة، إلى أن جاءه طريق المعرفة وروح الحضارة وجوهرها في أول أمره “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ”، فالقراءة طريق المعرفة والتثقيف، والباعث إلى التحديث والتطوير والانفتاح على الحضارات، وصنع المنبر له- صلى الله عليه وآله وسلم- واتخاذه يشهد لذلك، حتى عُدَّ التفنُّن في تجميل المنابر وزخرفتها مِهنة الجمال والروائع.
فالمِهن لها مكان في الفكر الإسلامي وتاريخه، وأُحيطت بآداب وفضائل ومعايير جودة رسَّخها الجناب المكرّم بقوله: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يُتقنه”.
فكان الإتقان في المِهن معيار العمران وشَرْطه، حتى برع المسلمون الأوائل في إتقان المِهن وصارت علومًا تُدرَّس، ويدل عليه أن مكتبة الإسلام تذخر بتصانيف في علوم الفلَك والطب والهندسة والكيمياء والفيزياء والميكانيا البحرية والبصرية وغيرها، وابتكروا علوما وأنجزوا الإنجازات التي شهد لها العالَم بالسَّبْق والإبداع، وبَرَكة هذه الإبداعات أنها تفاعلت كمهارة عملية مع الأخلاقيات الإسلامية التي ينشرها أهل التصوّف والإحسان المعنيّون بالآداب النفسية العميقة التي توجِّه الإنسان إلى شدَّة التحرّي لمعاني الإتقان والدّقّة والتأنُّق في كل صنعة أو مِهنة مما أضفى على المِهن بُعدا روحيًّا وإنسانيًّا جعلها سببًا في رِفعة الحضارة لا في استنزاف الإنسان.
إن هذا التاريخ المشرِق وما فيه من أنوار المعرفة يُضيء الطريق لاستشراف المستقبل برؤية واعية تجمع بين القديم النافع والجديد الصالح للحياة المعاصرة، لصناعة القوّة الحقيقية للاستثمار والازدهار الحضاري.
فاليوم، تدخل المِهن مرحلة غير مسبوقة من التحوّلات بفعل ثورة الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، مما يفرض إعادة النظر في طبيعة العمل، وهيكلة المِهن، وتطوير المهارات اللازمة للبقاء في سوق العمل المستقبلية.
ومن هنا تأتي فكرة المؤتمر الدولي السادس والثلاثون للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية: “المِهن في الإسلام: أخلاقياتها، وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي” في الفترة من: 19 إلى 20 يناير 2026 م/ 30 رجب إلى 1 شعبان 1447 هـ، بهدف التواصل الحضاري بين الماضي والحاضر، بما يُسهم في دعم سياسات التنمية الوطنية، وتوطين الصناعة، وتعزيز التعليم الفنّي والحِرفي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وصولًا إلى بناء نموذج حضاري حديث يستلهم قيَمه من تراثه ويستثمر أدوات عصره.
ومن ثمّ تتبلور الرؤى والأفكار دون أن تنفصل عن عطاءات الحضارة المبدعة، بل تتواصل معها وتبتكر المواثيق والأطروحات في المِهن وأخلاقياتها وفِقْه العمران البشري وتقنياته الحديثة في ظلّ رَحَابة الفقه الإسلامي المستوعِب للوقت وزَخمه وطوارئه.






























