أشرت فى نهاية المقال السابق إلى أن السبيل لإدراك قصد النبى من النصوص النبوية الشريفة، هو جمع القرائن التي يحصل بها ظن غالب أن هذا هو المعنى الذي قصده النبى.
ويمكن أن نصنف هذه القرائن إلى قسمين: الأول: اللغة، والثاني: النصوص الشرعية الأخرى.
فاللغة: هي الوسيلة التي ينقل بها الكلام، والقوالب التي تسكن فيها المعاني، ومن البدهيات أنه لا يمكن فهم الكلام ولا يمكن استيعاب دلالته سواء كان منطوقا أو مكتوبا إلا بمعرفة لغة الخطاب، والتمكن من لسان المتكلم أو الكاتب، كي يدرك معاني الكلمات والأجزاء والمركبات التي انتظمت في المقال المكتوب، أو المنطوق.
وهذا الإدراك هو بداية الطريق إلى معنى الخطاب، وجزء من فهم النص، ومع أهمية هذا الإدراك إلا أنه ـ في كثير من الأحيان ـ لا يكفي في معرفة قصد المتكلم؛ لأنه لا يفيد إلا المعنى الظاهر للخطاب، وقد لا يكون هو المعنى الذي يقصده صاحب الخطاب.
وبناء عليه، فإن الدلالات التي تحتملها ألفاظ الأحاديث النبوية، ولم يقصدها النبي لا يصح أن يُفسر بها كلامه، ولا يصح أن يقال هي معنى كلامه صلى الله عليه وسلم.
ويرجع سبب عدم الاكتفاء ـ في كثير من الأحيان ـ بدلالة الألفاظ والتركيبات اللغوية على إدراك قصد المتكلم إلى أمور منها ما تضمنته اللغة من الخصائص التي تجعل النص لايستقل بذاته ولا يكتفي بنظام اللغة وقوانينها للإفصاح عن المراد، ففي اللغة ـ على سبيل المثال ـ أنواع من الخطاب لها أكثر من معنى، كاللفظ المشترك الذي وضع لأكثر من معنى، ومنه أيضا وجود المجاز والحقيقة. ولاشك أن المتأمل لمعرفة أي النوعين استعمله المتكلم، يحتاج إلى عناصر خارجة عن مبنى الخطاب.
أضف إلى ما سبق: إن هناك عددا من السمات المؤثرة في فهم النص النبوي من حيث اللغة من أهمها:
1ـــ فصاحة الرسول، وقوة بيانه، فالرسول أفصح العرب، ويستخدم لغة فنية رفيعة، وقد أوتي جوامع الكلم، فقد صح عنه أنه قال: “بُعثت بجوامع الكلم”. أي أنه ينطق بكلمات قليلة فيها المعاني الكثيرة، لذا فإن التفسير اللغوي المعجمي لألفاظ كلامه لا يمكن أن يعطي جميع المعاني التي قصدها، بل يحتاج إلى نظر آخر.
2 ـــ إن النبي يتكلم بلغته العربية في أحوال مختلفة، ومقامات متباينة، فيأتي كلامه وخطابه مناسبا لظروفه وملابساته، وعلى وفق ما يقتضي المقام، وبسبب شدة ارتباطه بالمقام لا يمكن الاكتفاء بألفاظ الحديث وحدها في فهم المراد، بل يلزم بالضرورة استحضار قرائن الحال من أسباب الورود، والسياق بكل أدواته التي تسهم في الوصول إلى الفهم التكاملي الصحيح، وهذه القرائن تنقل في الغالب في نصوص مستقلة غير مقترنة بالنص المراد فهمه. وللحديث بقية.






























