بقلم: د. حنان شبانة أستاذ مساعد جامعة تبوك سابقا
في مناسبة عيد الشرطة، نحتفل بتضحيات رجال الأمن الذين يسهرون على حفظ الأوطان وصون المجتمعات، ولكن هذا الاحتفاء يفتح أمامنا أيضا فرصة لإعادة النظر في الدور الأمني من منظور معاصر، يواكب التحولات الرقمية السريعة التي يشهدها العالم.

فلم يعد التحدي يقتصر على تحقيق الاستقرار والأمن فحسب، بل بات يشمل ضرورة حماية كرامة الإنسان، وحفظ حقوقه الأساسية في عالم تتلاشى فيه الحدود بين الواقع المادي والافتراضي.
وفي ظل هذا الواقع، أصبح عصرنا يشهد اندماجا غير مسبوق بين الحياة الرقمية واليومية، حتى أصبح الفضاء الإلكتروني ساحة حيوية يتشكَّل فيها التفاعل الاجتماعي، وتتطوّر من خلالها أنماط العمل والتواصل.
كما ظهرت فيه أنواع جديدة من التهديدات والجريمة. وبالتالي، لم تعد مهام الشرطة تقتصر على حفظ النظام في المجال المادي التقليدي فقط، بل أصبحت تشمل فضاءً رقميا واسعا تتغيّر فيه أدوات الجريمة، ومسؤوليات الأجهزة الأمنية بشكل متسارِع.
وفي هذا السياق، تأتي التوجيهات الشرعية لتؤكد أن مواكبة المستجدَّات ليست خيارا، بل ضرورة أخلاقية ومهنية يقول الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (طه: 114)، وهي دعوة مفتوحة إلى التطوّر المستمر، لا سيما في زمن التغيّرات التكنولوجية التي تفرض أنماطا جديدة من المعرفة والمهارة.
كما يعزِّز الحديث النبوي الشريف هذا المعنى بقوله (صلى الله عليه وسلم): “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يُتقنه” (رواه أبو يعلى)، ليجعل من الإتقان دعامة للعمل الملتزم، ويؤكد أن أداء الواجب الأمني رسالة أخلاقية قبل أن يكون وظيفة مِهنية.
ومن هنا، يناقش هذا المقال التغيّرات التي طرأت على دور الشرطة في العصر الرقمي، ساعيا للإجابة عن سؤال محوري يفرض نفسه بقوة: هل يمكن تحقيق الأمان الرقمي دون المساس بالخصوصية؟
وكيف يمكن الموازنة بين واجب حماية المجتمع، وحق الأفراد في صون حياتهم الخاصة داخل فضاء رقمي أصبح ركيزة لا يتجزّأ من واقعهم اليومي؟
ولعل الإجابة عن هذا السؤال تبدأ بفهم طبيعة التحوّل ذاته؛ فمع التقدّم التكنولوجي المتسارِع، شهدت استراتيجيات العمل الأمني تغيُّرا جذريا، حيث أفرزت البيئة الرقمية أنماطا جديدة من الجرائم، مثل: الاحتيال الإلكتروني، والتنمُّر عبر الإنترنت، والابتزاز الرقمي، فضلا عن تهديدات أكثر تعقيدا تستهدف البيانات، والبِنَى التحتية الحيوية، وقد فرض هذا الواقع ضرورة تحديث آليات العمل الأمني، والانتقال من الأساليب التقليدية إلى مقاربات ذكية تعتمد على الرصد المبكّر والتحليل الدقيق، مع الالتزام الصارم بالقيم القانونية والأخلاقية.
وفي هذا الإطار، أسهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة في تعزيز قُدرة الأجهزة الأمنية على تتبّع الأنماط الإجرامية، والكشف عن الأنشطة المشبوهة، وتسريع الاستجابة للأحداث الأمنية، بما يرفع من كفاءة الأداء، ويحد من المخاطر قبل وقوعها، غير أن هذه الفعالية تبقى مشروطة بوجود ضوابط واضحة، تضمن ألا تتحوّل هذه الأدوات إلى وسائل لانتهاك الخصوصية، أو التعدي على الحقوق الفردية، الأمر الذي يستدعي أُطرا قانونية وأخلاقية دقيقة تنظِّم استخدامها.
ومع اتساع الاعتماد على الإنترنت في مجالات حيوية، كالرعاية الصحية الذكية، والخدمات الرقمية، تتضاعف المسؤولية المُلقاة على عاتق المؤسسات الأمنية في حماية البيانات الحساسة، فالتقصير في هذا الجانب لا يهدّد الأفراد فحسب، بل قد يقوِّض الثقة المجتمعية في منظومة الأمن بأكملها، وهي ثقة تعد ركنا أساسيا من أركان الاستقرار المجتمعي.
وفي مقابل هذه التطوّرات، تتنامى المخاوف المرتبطة بتأثير استخدام الذكاء الاصطناعي في إنفاذ القانون على حريات الأفراد وكرامتهم الإنسانية، ورغم ما تتيحه هذه التقنيات من إمكانات واسعة للتنبؤ بالمخاطر، والحد من الجريمة، فإن غياب الضوابط قد يفضي إلى ممارسات تتعارض مع المبادئ الأخلاقية الأساسية.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحَّة إلى سياسات واضحة وشفّافة توازن بين متطلّبات الأمن واحترام الخصوصية، وتؤكد أن حماية المجتمع لا تنفصل عن حماية حقوق أفراده.
ويذكِّرنا القرآن الكريم في هذا الحديث بخطورة الظلم في جميع صوره، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ (النساء: 10)، وهو تحذير يتجاوز سياقه الخاص ليشمل كل تعد على حقوق الآخرين، بما في ذلك انتهاك الخصوصية في الفضاء الرقمي، حين تتحوّل أدوات الحماية إلى وسائل أذى في غياب الضوابط الأخلاقية والقانونية.
نحن في عصر يتطلّب منّا الاختيار بين الحرية والأمان، حيث يكمن التحدي الحقيقي في وضع معايير توازن بينهما لصالح الأجيال القادمة. هذه القضية تعكس المأزق الذي تواجهه المؤسسات الأمنية في العصر الرقمي، وتؤكد أن النجاح لا يتحقق إلا عندما ندمج بين القوة والمسؤولية.
وفي الختام، لا تقتصر مسؤولية تحقيق حماية البيانات الرقمية على الأجهزة الأمنية وحدها، بل تمتد إلى الحكومات والمشرِّعين، كما تشمل وعي الأفراد أنفسهم، فالتعامل الأخلاقي مع التكنولوجيا، إلى جانب تشريعات عادلة وواضحة، يمثّل السبيل الأمثل لبناء فضاء رقمي آمن يحفظ الحقوق، ولا يفرّط في الحريات.
وفي عيد الشرطة، تتجلّى هذه الرسالة بوضوح، بوصفها تجسيدا لمعاني التضحية والإتقان، وحماية الإنسان في واقعه المادي والرقمي معا.
ويبقى التحدي الحقيقي ماثلا أمام المجتمعات والمؤسسات الأمنية وصنّاع القرار: كيف يمكن تحويل هذا الوعي بالأمن الرقمي وحقوق الإنسان إلى سياسات وممارسات واقعية، تضمن حماية المجتمع دون التفريط في خصوصية أفراده وكرامتهم الإنسانية؟






























