حبُّ آل البيت يجمعهما.. والسياسة تفرّقهما
أبو العزائم: “مؤامرة سياسية” لتمزيق النسيج الوطني
الجازولى: التصوّف مدرسة روحية أخلاقية وليس مشروعًا سياسيًّا
الدسوقى: الجهل والخطأ سِرُّ الصراع والخلاف
الشبراوى: سِرُّ وصولنا الأدب والمحبّة في الاتّباع.. لا التشيُّع والابتداع
العزمى: الشّيعة مذهب سياسي.. والصوفية سلوك تعبُّدي
زايد: خلط متعمَّد بين مقامات روحية وأصول عَقَدية
يناقشها: مصطفى ياسين
ما بين الفِيْنة والأخرى، يتجدّد الاتّهام للتصوّف والصوفية، بأنها “الباب الخلْفى” للتشيُّع وتسَرُّب الفكر والمنهج الشّيعى إلى مصر!
ويصطَّف الصوفية مُستنْفِرين كل طاقاتهم وخبرائهم لتبرِئة الساحة الصوفية، بالرغم من تأكيداتهم المتكرّرة بـ”نَفي” أى علاقة أو صِلة بين التصوّف والتشيُّع، لكن التيارات المُعادية للصوفية، تُعيد حملات الاتّهام، وتُجدِّد فى أساليبها وطُرقها، ما يضطر “الصوفية” لرَفع حالة “الطوارئ والاستنفار” الدائم، لتفنيد مثل هذه الاتّهامات الخطيرة التى لا تقف عند حدّ مجرد الأباطيل والافتراءات، بل تصل إلى القاعدة العريضة من المُريدين والمتعاطفين مع الصوفية، وهناك كُثُر “مذَبْذَبين” فيسارعون لاتخاذ مواقف سلبية بالانسحاب من المشْهد.
ولذلك لا يتأخَّر السيد علاء أبو العزائم- شيخ الطريقة العزمية، رئيس الاتحاد العالمي للطرق الصوفية، عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية- عن الرد على تلك الاتهامات بشنَّ هجومٍ حادٍّ على التيارات التي تحاول وَصْم الصوفية بالتشيُّع، واصفاً هذه الادّعاءات بأنها “مؤامرة سياسية” تهدف إلى تمزيق النسيج الوطني.
يقول: إن التقسيمات الحالية التي تضع المسلمين في خندَقي (سُنَّة وشِيعة) هي في أصلها تقسيمات سياسية مصلحية وضع بذرتها بنو أمية لتثبيت أركان حكمهم من خلال تفريق الأمّة، مؤكّداً أن التشيُّع في حقيقته هو “مذهب فقهي” يمثّله المذهب الجعفري، وهو يُقابل في الفقه السُّنِّي المذاهب الأربعة (الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنبلية)، بينما التصوّف يمثّل “مدرسة أخلاقية وتربوية” تعتني بتزكية النفس، وبالتالي لا يمكن اعتبار التصوّف نظيرًا أو نقيضًا للتشيُّع، بل هو مساحة روحية مشترَكة.
استقرار الدولة

واتّهم “أبو العزائم” التيار السلفي صراحة بالوقوف وراء ترويج فِرية “الباب الخلفي للتشيُّع”، مؤكّدًا أن الهدف الحقيقي ليس حماية المذهب، بل تقويض الاستقرار في الدولة المصرية. مؤكداً أن مصر لا يوجد بها عدد يُذكر من الشّيعة، لكن السلفيّة يسعون بكل قوّتهم لخلْق “بُعبع” أو صراع طائفي وهْمي من خلال اتهام الصوفية بالتشيُّع، سعيًّا منهم لجرّ مصر إلى الفتن الطائفية والمصير المظلِم الذي سقطت فيه دول كبرى مثل سوريا والعراق ولبنان.
وكشف “أبو العزائم” عن رؤية مثيرة للجدل، مصرحا أن مصر تخلو من “التشيُّع الحقيقي” ومن “السلفيّة الحقيقية” على حدّ سواء، واصفًا المشهد الراهن بأنه “عملية نَصب دولية”؛ حيث يدّعي البعض التشيُّع للحصول على تمويلات من دول تدعم هذا التوجّه، وفي المقابل يدّعي آخرون السلفية، لضمان تدفُّق الأموال من دول أخرى، مشدّدًا على أن القضية ليست دينًا أو عقيدة، بل هي تجارة بالمبادئ لتحقيق مكاسب مالية وسياسية على حساب استقرار الوطن.
حقيقة التصوّف
يلتقط خيط الحديث السيد سالم الجازولى، شيخ الطريقة الجازولية، عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، قائلاً: بالرغم من أننا في وقت نحتاج فيه إلي وحدة الصف بين كل من يشهد (أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا عبده ورسوله)، إلا أننا نريد أن نشرح- بدون جدل- حقيقة التصوّف، والذي قال فيه الإمام القُطب سيدي جابر الجزولي، رضي الله عنه: (التصوّف دين بلا بدعة، ونفس بلا شهوة، وعمل مع إنكار الذّات) وقال: إن مجال عمله (تهذيب النفس، وتدريبها علي الأخلاق السليمة، وردِّها لأحكام الشريعة) وبذلك يكون ردّنا واضحا وصريحا علي الادّعاء الذي يتردّد من آنٍ لآخر بأن التصوّف كان– أو ما زال– بوابة خلفية للتشيُّع داخل المجتمعات السُّنِّيَّة، وهو ادّعاء يفتقر إلى الدّقّة العلمية، ويغفل السياق التاريخي والفكري الذي نشأ فيه التصوف وتطوّر عبر القرون.
فالتصوف، في جوهره، ليس مشروعًا سياسيًا ولا مذهبًا عقديًا بديلًا، وإنما مدرسة روحية وأخلاقية نشأت داخل الحضارة الإسلامية السّنية، والتزمت– في أصولها الكبرى– بالكتاب والسّنة وإجماع الأمّة.
الجذور السُّنِّيَّة للتصوّف

ويعرض الجازولى، لنشأة التصوف في القرون الإسلامية الأولى بوصفه امتداد لتيار الزهد والورع، الذي مثّله كبار الصحابة والتابعين، قبل أن تتبلور مصطلحاته ومناهجه. وكان رواده الأوائل من أعلام أهل السنة، مثل الحسن البصري، الجنيد البغدادي، سهل بن عبدالله التستري، وغيرهم ممن شدّدوا على أن “طريقنا هذا مقيَّد بالكتاب والسّنة”. ولم يكن في أدبياتهم أي دعوة إلى التشيّع أو الطعن في الصحابة، وهي من الركائز العقَدية التي تميّز الفكر الشيعي عن السّني.
التباس لا تطابق
يستدرك الجازولى، موضحاً: يخلط البعض بين محبّة آل البيت– وهي قيمة إسلامية جامعة– وبين التشيُّع كمذهب عقدي وسياسي. فالتصوف يعبر عن محبّة صادقة لآل بيت النبي ﷺ، لكنه لم يحوّل هذه المحبّة إلى موقف صراعي من الصحابة أو إلى نظرية في الإمامة الإلهية. بل إن غالب الطرق الصوفية الكبرى أعلنت انتماءها الفقهي والعقدي للمذاهب السّنية الأربعة، واعتبرت التوازن بين محبّة الصحابة وآل البيت معًا من صميم المنهج الإسلامي الصحيح.
وعلى مدار التاريخ، لعبت الطرق الصوفية دورًا محوريًا في الحفاظ على الهُوية السُّنية في مواجهة الغلو المذهبي والتوظيف السياسي للدين.
ففي مصر والمغرب والأندلس وبلاد الشام، كانت الزوايا والتكايا الصوفية حصونًا للفقه السُّني الأشعري والماتريدي، وأسهمت في نشر الإسلام الوسطي، لا في تمرير أفكار مذهبية دخيلة. ولو كان التصوف بوابة للتشيُّع، لكانت هذه المناطق قد تحوّلت مذهبيًا منذ قرون، وهو ما لم يحدث.
التاريخ يفنِّد الاتهام
يضيف الجازولى: التجربة التاريخية تثبت أن المجتمعات التي انتشر فيها التصوف على نطاق واسع بقيت سُنية الهُوية، بينما انتشر التشيُّع عبر مسارات سياسية وسلطوية واضحة، لا عبر الزهد أو التربية الروحية. كما أن الصدامات التاريخية بين بعض الطرق الصوفية والسلطات الشيعية في فترات معينة تؤكد استقلال المسارين، لا تداخلهما.
قراءة مؤدْلَجة
يضيف الجازولى: يرتبط اتهام التصوف بالتشيُّع غالبًا بخطابات أيديولوجية معاصرة تسعى إلى تبسيط المشهد الديني وتقسيمه ثنائيا “سّني صِرف” مقابل “انحراف مذهبي”. وتغفل هذه القراءات أن التصوف كان، في أزمنة كثيرة، صمام أمان اجتماعي وروحي، واجه التطرف والغلو، وأسهم في ترسيخ قيم التسامح والانتماء الوطني.
خلاصة القول: التصوف لم يكن يومًا، ولن يكون، بوابة خلفية للتشيع، بل هو أحد التعبيرات الروحية العميقة عن التديّن السّني، حين يُفهم في إطاره الصحيح. وعدم الخلط بين الروحانية والمذهبية، أو بين المحبة والغلو.
وكما قال الإمام جابر الجزولي رضي الله عنه : (إننا ندعو الي هذا الطريق العابق بأريج الحب والمعرفة الصوفية، ندعو إلي التصوف الذي يري الحياة جمالا وعملا، ندعو إلي حب ليس فيه كراهية، ندعو إلي طاعة ليس فيها معصية، ندعو الي معرفة ليس فيها عُقَد).
مراقبة دائمة

من جانبه، ينفى د. جمال مختار الدسوقى- شيخ الطريقة الدسوقية المحمدية، عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية- اتهام الصوفية بأنها “باب خلْفي ولا أمامي للتشيُّع” حفظنا الله منه، مؤكدًا أن التصوّف سلوك وحالة مراقَبة دائمة لله تعالى فى كل تصرّفاتنا، وهى فى مجملها أخلاق (فمن زاد عنك أخلاقًا زاد عليك تصوُّفًا)، فأهم مظهر من الصوفية أنها قائمة على ذِكر الله تعالى والصلاة على رسوله- صلى الله عليه وآله وسلم- وحب آل البيت- رضوان الله عليهم- الذى هو من آكد الفروض، كقول الإمام الشافعى- رضى الله عنه-: “يا آل بيت رسول الله حبّكم.. فرضٌ من الله فى القرآن أنزله”. وفى بيت آخر يضيف: “يكفيكم من عظيم الفخر أنكم.. من لم يصل عليكم لا صلاة له”. هذه صوفية الشافعى الذى يردّ على من يتّهمون الصوفية بالبدعة أو التشيُّع، وفى بيت ثالث: “لو كان حبّى آل أحمد بدعة.. فإنى بتلك البدعة العُمر مكتف”.
وقد كرَّر شيخ الرفاعية سيدى أحمد الرفاعى- رضى الله عنه- ما قاله الشافعى، عندما اتّهم بأنه من الفِرق الضالّة، أو فرق الرافضة، فقال: “إن كان رفضًا حب آل محمد.. فليعلم الثقلان أنى رافض”.
ويؤكد د. الدسوقى، أن حبّ آل بيت رسول الله يربط المؤمنين بقواعد الدين ولا يخرجهم عنها، كما لا يبرّر الاتّهام بالتشيُّع أو غيره، فأمَّة لا يربط بينها الحب لا شك أن ما سيربط بينها هو الكُره أو البُغض، وستظل متنافرة، متناثرة، متناحرة، متباعدة.
إذن الصوفية تقوم على ذِكر الله، والصلاة على رسوله، وحب آل البيت، وكل منها فريضة، وكلها فروض مكلَّف بها أى مؤمن حتى وإن لم يسم نفسه صوفيًا، ولو سمِّى شيعيًّا. ولا جدال أن الجهل أو الخطأ فى الفهم أو التعريف هما سّرّ الصراع والخلاف بين الصوفيين وغيرهم ممن يرفضونهم ويرمون ما يفعلون بالتشيُّع أو غيره.
صدق الهِمَّة وإخلاص النّيَّة
يوضح م. محمد عبدالخالق الشبراوى، شيخ الطريقة الشبراوية الخلوتية، عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، أن حقيقة التصوف هى صدق الهمة في قصد باب المولى، وطلب الكمال والمراتب العلّية بالتعلق والتخلق والتحقق بمكارم الأخلاق وبمَنْ جاء للعالمين رحمة، وذلك بجهاد النفس وتزكيتها، قال تعالى:” قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا(9) وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا (10)” الشمس 10,9. وقال:” وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ” العنكبوت 69.
من هنا قال شيخ الصوفية الإمام الجنيد رضى الله عنه “التصوف هو الالتزام بالكتاب والسنة في الأقوال والأفعال ظاهراً وباطناً. فعلمنا هذا– التصوف– مقيد بالكتاب والسّنة, مَنْ تمسّك بهما فهو منّا, ومَنْ لم يتمسّك بهما فليس منّا في شئ”.
وقال الإمام الغزالى رضى الله عنه “إنى علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة وأن سيرتهم أحسن السير, وأخلاقهم أزكى الأخلاق, فإنهم في جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة”.
يضيف الشبراوي: فالباب الموصل لحضرة علاّم الغيوب والخالى من كل النقائص والعيوب هو باب الاتباع دون الابتداع لحضرة الرسول الكريم في الالتزام بالكتاب والسنة, فمَنْ تحقق منه وجاهد من أجله نُقش اسمه في ديوان السعداء وتم محوه من ديوان الأشقياء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم :”تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى أبداً, كتاب الله وسنتى” وفى رواية “كتاب الله وعترتى أهل بيتى لن يفترقا حتى يردا على الحوض”.
فببركة التسليم بالاقتداء والتأسى بمَنْ جاء للعالمين رحمة, وبخشوع القلب يصبح العبد أهلاً للتجليات والمنح الإلهية مع لزوم المحبة والأدب الكامل مع حضرة سيدنا رسول الله وآل بيته الأطهار وكل ما جاء به الشرع الحكيم للفوز بالسعادة الحقة، قال تعالى:” وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ”. هود 108
ولا يظن ظان أن المطلوب يأتى فقط ببذل المجهود, إذ لابد له مع المجاهدة طلب الهداية والتوفيق من المولى، قال تعالى:” وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ” هود88 وقال النبي:” لن يدخل الجنة أحد بعمله, قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمته”.
ويؤكّد الشبراوي، أن مدار السعادة في معية العبد على مولاه؛ والغيبة عمَنْ سواه, فيظفر بنصرٍ من الله في السراء والضراء حتى يصبح محفوظاً بالهداية عن زيغ الهوى واتباع البدع, واكتساب الصغائر والكبائر, فمَنْ تحقق من جلال الألوهية سارع بالذل والانكسار والافتقار في اللجوء إليه سبحانه حيث قال:” وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ”؛ الزمر 61
فطالب المحبة والاتباع ليس بغافل, كما يقول البحر الروى فضيلة سيدنا الشيخ عمر الشبراوى رضى الله عنه في شرح ورد السحر “فالمحب لا يغفل عن محبوبه, مطيع له على القيام بما إليه دعاه, منشغلاً بالله, زاهداً ما سوى الله تعالى, يحب ما يحبه, ويكره كل ما نهى عنه, كريماً سخياً دائم الطهارة ظاهراً وباطناً, صابراً عابداً شاكراً ذاكراً على الدوام, دائم الورود لموارد الشهود, متنعماً بلذة المناجاة في القيام والركوع والسجود, والكامل مَنْ يوفى المواطن حقها, ولا يفارق أدب العبودية, فيجلس على البساط ويحاذر من الانبساط”.
باب الوصول
ويقرِّر الشبراوي: هذا هو الباب لمَنْ أراد الوصول للملك الوهاب, ومفتاحه حُسن الأدب والمحبة في الاتباع, ولم يكن للتصوف في يوم من الأيام أبواب أخرى لطلب ملذات الدنيا ومتاعها أو اللهث وراء الدولار والريال, أو ادعاءات من أى معترض يحاول إطفاء هذا النور بادعاءات وافتراءات وسوء ظنون واتهامات باطلة لم يكن للتصوف فيها سباق, إذ كان السباق الحقيقى للتصوف في الخيرات متحققين من قوله تعالى:” وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ” آل عمران 133 وقوله “إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ” الأنبياء90 وقوله:” وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ” الكهف 28
من هذا الباب تحقق الصوفى أن الذل والانكسار في مقام العبودية مع توفيق المولى بتمام وكمال ودوام الالتزام بما جاء به الشرع من كتاب وسنة بالاتباع دون الابتداع هو الطريق المستقيم الذى جاء به حضرة سيدنا المصطفى الكريم.
على هذا كان فرح العارفين بالله بالأمن من الانقطاع عن الله, فيقرعون أبواب المشاهدة, فهامت أرواحهم عشقاً لمشاهدة الجمال والجلال, ومع صدق الهمة وبذكر المحبوب والتخلق بالأخلاق المصطفوية تُفتح مغاليق الأبواب لمشاهدة جمال وحنان الملك الوهاب, فتتحقق طهارة العبد ظاهراً وباطناً من المعاصى المعنوية والمادية, وإخلاص النية لله, وحفظ اللسان من الوقوع في أعراض الناس, فتكون العبادات والمعاملات خالصة لوجهه الكريم بدوام المراقبة لله.
فتحيا بها موات القلوب, وتُبصر العيون وتُكحل بأثمد الفهم, وتسمع الآذان قرع أبواب القبول, وتنطق الألسنة بأسمى حروف الحب, وتنشط الأعضاء في عبادة علام الغيوب قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ” الأنفال 24.
فيتضرع القلب ويسمو صعوداً لخالقه وبارئه طبعاً وجبلة, لا تكلفاً وحِيلة, فيكون صلاح قلبه بيقظته من غفلته, والتزام أدب العبودية بكامل الالتزام بما جاء به حبيبه ومصطفاه، قال تعالى: “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” الحشر7.

حقيقة التصوف
يتابع الشبراوي مؤكداً: إن حقيقة التصوف لم تكن في يوم من الأيام سراً لا يراد كشف ستره, ولا سيراً وراء مرام الحاقدين على الشرع تحت دعاوى تظهر غير ما تبطن, ولا طلب الرياء والسُّمعة, ولا ملذات الدنيا وشهواتها, ولا أبواب تخالف دين الإسلام, بل شهد له القاصى والدانى, ومَنْ ألزمه الله قول الحق أن التصوف هو المحبة الخالصة لله, فمَنْ زاد في هذا الصفاء فقد زاد عنك في التصوف, ومَنْ التزم مكارم الأخلاق وتحلى بكل خُلقٍ سنى وترك كل خُلقٍ دنى كان صوفياً حقاً.
فاللهم علمنا الأدب مع أهل الأدب, وعلمنا المحبة لأهل المودة, وألزمنا طائرنا في أعناقنا بالالتزام بكامل آداب الكتاب والسّنة, وحققنا بما جاء به الحبيب المصطفى قولاً وعملاً ظاهراً وباطناً للفوز بالقرب من حضرة الرسول الكريم لنكون مع حضرته من الفائزين بالنظر إلى وجهه الكريم, واحفظ مصر شعباً ورئيساً وجنداً من كل شرٍّ وفِتنة.
اتهامات باطلة

ويؤكد د. عبدالحليم العزمي، الأمين العام للاتحاد العالمي للطرق الصوفية، أن المحاولات المستمرة لربط التصوّف بالتشيُّع أو تصويره كـ”باب خلفي” لنشر الفكر الشيعي هي محاولات تفتقر إلى الدّقّة العلمية والإنصاف التاريخي. مشيراً إلى أن هناك خلطًا معتادًا لدى البعض بين المفهوم السلوكي والمصطلح التاريخي، مشدّدًا على أن التشيّع كمصطلح سياسي ومذهبي ظهر في التاريخ الإسلامي قبل استقرار مصطلح “التصوّف” بقرون، ومع ذلك فإن التصوّف كمنهج أخلاقي وسلوك تعبُّدي مستمَد من الزهد النبوي هو قديم قِدم الإسلام نفسه، ولم يكن في أي مرحلة من مراحل التاريخ جسرًا أو بوابة خلفية للتشيّع كما يروّج البعض.
أضاف “العزمي”: قضية “آل البيت” هي نقطة التماس التي يستغلها الخصوم لضرب الصوفية، فكل مسلم على وجه الأرض، أيًّا كان مذهبه، مطالَب شرعًا وبنصّ القرآن الكريم بمحبّة أهل بيت رسول الله، هذه المحبّة ليست حِكرًا على الشّيعة ولا ينبغي تأطيرها في إطار مذهبي ضيّق.
واستشهد “العزمي” بكلمات الإمام الشافعي الشهيرة: “إن كان رفضًا حبُّ آل محمدٍ.. فليشهد الثقلان أني رافضي”، ليدلِّل على أن تُهمة “التشيُّع” بسبب حبّ آل البيت هي تُهمة قديمة متجدّدة، تستخدمها بعض التيارات كفَزَّاعة لترهيب الناس ومنعهم من الارتباط الروحي بالعِتْرة النبوية، بهدف تجفيف منابع المودّة التي أمر الله بها، وإحداث قطيعة بين الأمّة ورموزها التاريخية والروحية.
مَشهَد متكرِّر
ويقول مصطفى زايد- الباحث فى الشأن الصوفى-: كل مرة تُثار فيها شُبهة ان التصوّف باب خلفي للتشيّع يتكرّر المشهد نفسه، اختزال للتاريخ، جهل بالتراث، وخلط متعمَّد بين مقامات روحية وأصول عَقَدية لا تمُتّ الى بعضها بصِلَة، وهذه الدعوى رغم صخبها تسقط سقوطًا مدوّيًّا عند أول احتكاك جاد بالنصوص الأصلية سواء من مخطوطات الصوفية المعتمَدة او من كُتب الشّيعة أنفسهم.
أضاف مفسِّرًا: التصوف في حقيقته التي قرّرها أئمته ليس مذهبا عقَديًا ولا بديلًا عن أهل السّنة ولا طريقا سرّيّا لآراء باطنية، بل هو علم تزكية وسلوك داخل إطار الشريعة. فـ”الجنيد البغدادي” وهو إمام التصوّف الذي ترجع إليه معظم الطرق، قال قولته المشهورة التي حفظتها كتب الطبقات والمخطوطات: (مذهبنا هذا مقيَّد بالكتاب والسّنَّة، فمن لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث، لا يُقتدى به في هذا الأمر). وهذه العبارة وحدها كافية لنَسْف كل محاولة لربط التصوف بمذهب يقوم في أصوله على تقديم أقوال الأئمة المعصومين، بزعمهم على ظاهر النصّ.
وفي مخطوطة الرسالة القشيرية، لأبي القاسم القشيري، وهي من أقدم وأوثق مصادر التصوف يقول نصًّا: (اعلموا رحمكم الله أن مشايخ هذه الطائفة بنوا قواعدهم على أصول صحيحة في التوحيد، واتّبعوا آثار الصحابة والتابعين، ورفضوا البدع والأهواء)، فأي تشيُّع هذا الذي يقرِن نفسه باتّباع الصحابة كافة، في حين أن أصل الإشكال العقَدي في التشيّع هو الموقف من الصحابة؟!
أضاف “زايد”: أما الإمام أبو حامد الغزالي، فقد حسم المسألة من جذورها، في مخطوطه الشهير (فضائح الباطنية) حين هاجم كل مسلَك باطني يجعل للدين ظاهرًا للعامّة وباطنًا خاصًا للخاصّة، وقال: (إبطال مذهبهم لا يكون إلا بإظهار أن دعوى العِصمة والعِلم الباطن هدْم للشريعة من أصلها) وهذا الكلام موجّه مباشرة للباطنية والإمامية لا دفاعًا عنهم ولا تمهيدًا لهم بل نقضٌ لأصولهم.

وفي لطائف المِنن، لابن عطاء الله السكندري، وهو من كبار أئمة التصوف السُّنِّي، نجد تقريرًا واضحًا لا لبْس فيه (من ظنّ أن الولاية تُخرجه عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد جهل الطريق، فالولي لا يزيد على أن يكون متَّبِعًا ولو خالف انتقض حاله)، وهذا النّص ينْسف فكرة العِصمة والوراثة الروحية الحصرية التي يقوم عليها مفهوم الإمامة عند الشيعة.
بل إن عبدالقادر الجيلاني، في “الفتح الرباني” كما ورد في نسخه المخطوطة، قال بوضوح شديد: (كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زنْدقة، وكل طريق لا يمر على الكتاب والسّنّة فهو ضلال)، وهذا الكلام لا يمكن تأويله ليخدم أي مذهب يجعل لأشخاصٍ معينين حق التشريع او العِصمة او العِلم الّلدني الملْزِم للأمّة.
ولو تركنا الصوفية جانبًا، وانتقلنا الى كتب الشيعة أنفسهم، لكانت المفاجأة التي تسقط الشّبهة نهائيًا، فالشّيعة في مراجعهم المعتمَدة لم يعتبروا الصوفية امتدادًا لهم بل اعتبروهم خصومًا ومنحرفين! فـ”المجلسي” وهو من أكبر مراجع الشّيعة الإمامية يقول: (في بحار الأنوار الصوفية، قوم خالفوا أئمتنا ومالوا الى العامة، وأدخلوا في الدين ما ليس منه)، وهذا نصّ صريح في اتّهام الصوفية بمخالفة خط الإمامة لا بالعمل له.
وفي كتاب “الحدائق الناضرة” ليوسف البحراني، وهو من كبار فقهاء الشيعة، ورد قوله: (وأما ما عليه الصوفية من طرق وأذكار ومشايخ فليس من مذهب أهل البيت في شيء) فكيف تكون الصوفية بابًا للتشيّع ومرجعيات التشيّع نفسها تنفي عنهم أي صلة بمذهب أهل البيت كما تفهمه الإمامية؟!
بل إن بعض كتب الشّيعة المتأخّرة كانت أشد لهجة! حيث جاء في كتاب “تنبيه الأمّة” لأحد علمائهم، اتهام واضح للصوفية بأنهم نواصب متستّرون بحب آل البيت! وهي تُهمة خطيرة تعني عندهم العداء لأهل البيت لا التشيّع لهم!
يستطرد “زايد” قائلًا: وهنا تظهر المفارَقة الكاشفة، فالصوفية عند أهل السّنة متّهمون بأنهم شيعة! وعند الشيعة متّهمون بأنهم نواصب! وهذا لا يفسّره إلا إنهم ببساطة ليسوا من هذا ولا ذاك (الشيعة أو النواصب)، بل هم مسلك سُّنّي روحي مستقل داخل جماعة أهل السُّنَّة.
أما حبّ آل البيت الذي يتّخذه البعض ذريعة لاتّهام الصوفية بالتشيّع فهو أصل سُّني ثابت قبل أن يكون شعارًا مذهبيًا. والإمام الشافعي قال في ديوانه المشهور: يا أهل بيت رسول الله حبّكم فرضٌ من الله في القرآن أنزله، ولم يقل أحد يومًا أن الشافعي كان شيعيًّا ولا أن مذهبه باب للتشيُّع.
والصوفية حين يذكرون آل البيت، يذكرون معهم أبا بكر وعمر وعثمان وسائر الصحابة، وهو ما لا يمكن أن يقبَله التشيُّع الإمامي أصلا، ولهذا قال الجُنيد كما نقل عنه في طبقات الصوفية: من لم يُثْبِت فضل الشيخين فليس عنده قدم في الطريق.
بعد هذا كلّه يصبح القول، بأن الصوفية “باب خلفي للتشيُّع” ليس فقط خطأ، بل قلْب للحقائق، وتزييف للتراث وعدوان على نصوص ثابتة لا تقبل هذا التحريف.
وأكد “زايد” أن التصوّف السُّنِّي طريق إحسان لا مشروعًا عقَديًا ولا جسرًا مذهبيًا، ومن أراد نقده فليفعل بعِلم وأمانة لا بتُهم جاهزة تسقط أمام أول مخطوطة وأول نصٍّ وأول شهادة من داخل كُتب الخصوم أنفسهم.






























