د. محمد الضويني: فلسطين اختبار الضمير الإنساني
محمود الهباش: مصر سند تاريخي لا يتراجع
تقرير_ محمد لملوم:
في سياق الدور العلمي والفكري الذي تضطلع به المؤسسات الدينية المصرية في دعم قضايا الأمة، وضمن إطار فعاليات البرنامج الثقافي لدار الإفتاء المصرية، ومشاركتها في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ 57، نظّمت دار الإفتاء ندوة فكرية موسعة بعنوان: “دور الفتوى في دعم القضية الفلسطينية”، تناولت الأبعاد الشرعية والأخلاقية والإنسانية للفتوى، ودورها في تثبيت الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وصناعة الوعي العام تجاه واحدة من أكثر القضايا حضورًا في وجدان الأمة.
شهدت الندوة منصة نقاشية رفيعة المستوى، أدارها د. عاصم عبد القادر، عضو المكتب الفني لمفتي الجمهورية. بحضور د. محمد البشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، الشيخ أيمن عبدالغني، رئيس قطاع المعاهد الأزهرية، إلى جانب عدد من المثقفين والباحثين ورواد جناح دار الإفتاء بالمعرض.
أكد المتحدثون أن الفتوى الدينية تؤدي دورًا محوريًا في توجيه الرأي العام، ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، موضّحين أن الفتوى ليست مجرد بيان لحكم شرعي، بل تمثّل موقفًا حضاريًا وأخلاقيًا يساند صمود المرابطين، ويكشف الانتهاكات الجسيمة التي تتعرّض لها المقدّسات، ويواجه محاولات تزييف الوعي وتشويه الحقائق. وشدّدوا على ضرورة توحيد الخطاب الإفتائي العربي والإسلامي تجاه القضية الفلسطينية، بما يضمن وصول رسالة الحق والعدل إلى المجتمع الدولي، مؤكّدين أن فلسطين ليست قضية سياسية فحسب، بل قضية إنسانية وعقَدية متجذِّرة في ضمير كل مسلم وعربي.
أكد د. محمد عبدالرحمن الضويني، وكيل الأزهر، أن تناول الأزهر للقضية الفلسطينية يعكس وعيًا عميقًا بقضايا المجتمع والأمة الإسلامية، موضحًا أنها قضية حق وعدل لشعب يمتلك وعيًا كاملًا بمعاناته التاريخية والإنسانية. مشيرا إلى أن القضية الفلسطينية لم تغب يومًا عن ضمير كل أزهري، بل عن وجدان كل مصري، لارتباطها بحق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه.
أوضح أن الأزهر، بصفته المرجعية الإسلامية الكبرى، يضطلع بدوره تجاه القضية الفلسطينية منذ عام 1948 وحتى اليوم، من خلال المؤتمرات العلمية، والبحوث والدراسات، والبيانات التي تبرز عدالة القضية الفلسطينية وتدافع عنها في مختلف المحافل. مضيفا: أن قضية فلسطين تمثّل اختبارًا حقيقيًا لوعي الإنسان وإيمانه بالعدل، وأن الفتوى الأصيلة هي التي تُنزل الأحكام على الواقع وتستجيب لحاجات المسلمين دون تأخير.
وشدّد وكيل الأزهر على أن كل اعتداء يقع على أرض فلسطين هو عدوان على الأمة بأسْرها، وأن للشعب الفلسطيني الحق الكامل في الدفاع عن أرضه ومقدّساته، مؤكدًا أن مقاومته المشروعة لا يجوز بأي حال من الأحوال وصفها بالعنف أو الإرهاب، لأن الإرهاب الحقيقي يتمثّل في استهداف الأطفال والنساء والضعفاء، واغتصاب الأرض، وانتهاك الكرامة الإنسانية. موضحا أن هذا المبدأ لا يقتصر على القضية الفلسطينية وحدها، بل هو حق أصيل لكل شعب يتعرّض للعدوان على أرضه ووطنه.
دور مصر
بدوره، ثمّن د. محمود الهبَّاش، قاضي قضاة فلسطين، الدعم الثابت الذي يقدّمه الأزهر ودار الإفتاء المصرية للقضية الفلسطينية، مؤكدًا أنها ليست قضية المسلمين وحدهم، بل قضية كل إنسان حرّ شريف في العالم. واستعرض أول فتوى تتعلق بفلسطين، والتي وردت في حديث النبي عن بيت المقدس، بما يؤكد البُعد الديني العميق للقضية.
وأوضح “الهبَّاش” أن التأصيل الصهيوني للأطماع في فلسطين يقوم على مزاعم دينية وتاريخية، لافتًا إلى أن آباء الفكرة الصهيونية ليسوا يهودًا وإنما استعماريون، مؤكدًا أن القضية الفلسطينية، وإن كانت سياسية لشعب يناضل من أجل حريته، فإن لها بُعدًا دينيًا يجعلها قضية تخص مليارَي مسلم وكل العرب. وأكد أن من واجب دعم فلسطين دعم الروح المعنوية وشحذ الهمم، مشيرًا إلى الدور التاريخي لمصر وشعبها في حمْل هَمّ القضية الفلسطينية، وهو ما يستند إليه الفلسطينيون في ثباتهم ورفضهم للتهجير.
خطاب متوازن
وفي السياق ذاته، أكد د. محمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء، أن فلسطين ليست قضية طارئة، بل هي قطعة من وجدان الأمّة الحيّ، وأن كل محاولات طمس الحقوق الفلسطينية أو تبرير العدوان تُواجَه ببيان شرعي راسخ وفتاوى منضبطة تكشف زيف تلك الطروحات، وتفضح الشعارات المضلّلة المخالِفة لمقاصد الشريعة وحقائق التاريخ. وشدّد على أن الأمّة ستظل ثابتة على موقفها، مؤمنة بأن نصر الله آتٍ، وأن استرداد الحقوق لا يكون إلا بإقامة العدل وإحقاق الحق، لا بتزييف الوعي أو المساومات، مؤكدًا أهمية الخطاب الديني المتوازن الذي يجمع بين الثبات على الحق والحكمة في الوسائل.
تحديات فكرية
وفي ختام الندوة، أجاب د. نظير عياد، مفتي الجمهورية، عن سؤال أحد الشباب الحاضرين، موضحًا أن السائل المعاصر يواجه تحديات فكرية متشابكة، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي. وأشار إلى أن إصدارات دار الإفتاء المشارِكة في معرض الكتاب هذا العام أوْلَت اهتمامًا خاصًا بمعالجة هذه التحديات من خلال مؤلّفات علمية رصينة، تستند إلى فهم عميق للواقع، وتسهم في تصحيح المفاهيم وبناء الوعي الرشيد، جامعـةً بين التأصيل الشرعي والرؤية المعاصرة.






























