شهدت الطريقة القادرية البودشيشية بمداغ، نواحي مدينة بركان شرق المملكة المغربية، اليوم السبت، توافد آلاف المريدين والمريدات القادمين من مختلف جهات المغرب، إلى جانب وفود من الخارج، لإحياء الذكرى التاسعة لرحيل مجدِّد السلوك الصوفي الشيخ حمزة بن العباس القادري البودشيشي، أحد أعلام التصوف الإسلامي المعاصر في المغرب والعالم الإسلامي.

تقام الفعاليات بحضور مولاي د. منير القادري بودشيش- شيخ الطريقة القادرية البودشيشية بالمغرب والعالم الإسلامي- ومنذ الساعات الأولى من صباح الجمعة، عرف محيط الزاوية حركة غير مسبوقة، حيث استقلّ المريدون الحافلات والسيارات الخاصة التي جرى تجهيزها مسبقًا لضمان نقلهم في ظروف ملائمة، في أجواء يطبعها الخشوع والتنظيم والانضباط، وقد سُجِّل حضور مكثّف لمختلف الفئات العُمرية، في مشهد يعكس الامتداد الواسع للطريقة القادرية البودشيشية داخل المغرب وخارجه.
وتنظم الزاوية، مساء اليوم، احتفالية صوفية كبرى تتضمّن مجالس الذِّكر الجماعي، وتلاوة آيات من الذكر الحكيم، ومدائح نبوية وإنشادًا صوفيًا، إلى جانب لحظات للدعاء والترحُّم على روح الشيخ الراحل، وتأتي هذه الفعاليات في إطار تقليد سنوي دأبَت عليه الطريقة البودشيشية تخليدًا لذكرى شيخها ومُرشدها الروحي الراحل .
ويؤكد عدد من المريدين، في تصريحات متطابقة، أن هذه الذكرى تمثّل محطّة إيمانية وروحية لتجديد العَهد على القيم التي كرَّسها الشيخ حمزة بن العباس، وعلى رأسها تزكية النفس، المحبة، التسامح، خدمة الإنسان، مشيرين إلى أن تعاليمه ما تزال تُلهم أتباع الطريقة في حياتهم اليومية.
من جهتها، تحرص الجهات المنظِّمة على توفير الظروف الملائمة لإنجاح هذا الحدث، من خلال تنسيق محكَم يشمل الجوانب التنظيمية واللوجستية، بما يضمن سلامة الوافدين وحُسن سير الأنشطة، خاصة في ظل الأعداد الكبيرة المشارِكة في هذه المناسبة الروحية.
سيرة ومسيرة

الشيخ حمزة بن العباس القادري البودشيشي، مسار روحي وإشعاع عالمي، وُلد عام 1922 بمنطقة مداغ، ونشأ في أسرة عُرفت بالعِلم والتصوف، تلقّى تعليمه الديني والروحي على يد والده الشيخ العباس بن المختار بودشيش وثلَّة من علماء القرويين، قبل أن يتولّى مشيخة الطريقة القادرية البودشيشية، ويقودها نحو إشعاع وطني ودولي لافت.
واعتمد الشيخ حمزة نهجًا صوفيًا معتدلًا، يرتكز على الكتاب والسُّنة، ويقوم على تربية النفس وترسيخ القيم الأخلاقية، بعيدًا عن التطرّف أو الانغلاق، وقد جعل من الزاوية فضاءً للتربية الروحية والانفتاح، ما أسهم في استقطاب مريدين من مختلف الجنسيات والخلفيات الثقافية.
حظي الشيخ الراحل حمزة بن العباس البودشيشي بمكانة روحية وعلمية متميّزة داخل المغرب وخارجه، لما عُرف عنه من تواضع عميق، وحكمة بالغة، ونهج قائم على الدعوة إلى السّلم الروحي، والحوار بين الأديان والثقافات، وترسيخ قيم التعايش والانفتاح. وقد ظل الشيخ، طيلة مسيرته، رمزًا للاعتدال والوسطية، إلى أن وافته المنية عام 2017، مخلِّفًا وراءه إرثًا روحيًا وإنسانيًا متجذِّرًا في وجدان أتباعه ومريديه عبر مختلف بقاع العالم.
كما كان الشيخ الراحل من أبرز الداعمين لاستقرار المملكة المغربية، مؤكّدًا في مواقفه وخطابه الروحي على أهمية التلاحُم بين الشعب ومؤسساته، في ظل رعاية صاحب الجلالة الملك محمد السادس، ومشيدًا بالدور المحوري لإمارة المؤمنين في صون الأمن الروحي وترسيخ قيم الاعتدال.
وقد شهدت الزاوية البودشيشية، على يدي الشيخ حمزة بن العباس، إقبالًا واسعًا من مريدين وباحثين عن السَّكينة الروحية من مختلف الجنسيات، حيث اعتنق مئات الأوروبيين والأفارقة الإسلام، متأثّرين بخطابه القائم على المحبّة، التزكية، البُعد الإنساني للدين الإسلامي، بعيدًا عن الغلو والتطرّف وقد أسهم هذا الامتداد الدولي في تعزيز صورة الإسلام كدين سلام وحوار، ورسّخ مكانة التصوّف المغربي كجسر للتواصل بين الشعوب والثقافات.
الجدير بالذكر، أن هناك علاقات طيبة تجمع بين الطرق الصوفية المصرية والمغربية في إطار نشر قيم التصوّف والمحبّة والاعتدال والعمل علي تقوية أواصر المحبّة والأخوة بين الشعبين الشقيقين المصري والمغربي.






























