د. نظير عياد: نستثمر الإبداع البصري لبناء وعي الأطفال
.. و”أنس” مشروع تربوي لترسيخ القيم الدينية والوطنية
د. عباس شومان: الوطن أكبر من السياسة.. والفتوى الرشيدة ركيزة الأمن الفكري والمجتمعي
د. نهلة الصعيدي: حب الوطن قيمة قرآنية أصيلة.. وغياب القيم أخطر أزمات الشباب اليوم
تقرير_ محمد لملوم
كشف فضيلة الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، عن توجه دار الإفتاء المصرية لتوظيف أدوات الإبداع البصري في رسالتها التوعوية، من خلال إنتاج أعمال كارتونية هادفة تستهدف غرس القيم الأخلاقية والوطنية لدى الأطفال والنشء. وأعلن فضيلته عن قرب عرض مسلسل كارتوني بعنوان “أنس” خلال شهر رمضان المبارك، في إطار خطة تستهدف بناء وعي ديني وأخلاقي مبكر بأسلوب تربوي معاصر يواكب متطلبات العصر.
ويأتي ذلك في سياق استمرار الدور التوعوي والثقافي الذي يضطلع به جناح دار الإفتاء المصرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، حيث نظَّم ندوة فكرية بعنوان “الفتوى ودورها في تعزيز قيمة الانتماء إلى الوطن”، تأكيدًا على مركزية الفتوى بوصفها أداة لبناء الوعي وتصحيح المفاهيم، لا مجرد إجابة فقهية معزولة عن واقع المجتمع وتحدياته. وشهدت الندوة منصة نقاشية رفيعة المستوى شارك فيها الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، والدكتورة نهلة الصعيدي، مستشارة فضيلة الإمام الأكبر لشؤون الوافدين، وأدارها الدكتور محمود عبد الرحمن، عضو المكتب الفني لمفتي الجمهورية، بحضور مفتي الجمهورية، وعدد من العلماء والباحثين، ورواد جناح دار الإفتاء بالمعرض.
توظيف مغلوط
وفي مداخلته، أكد د. نظير محمد عياد أن قضية الوطن والانتماء إليه من أكثر القضايا التي تعرضت لسوء الفهم والتشويه، نتيجة توظيف بعض المفاهيم الدينية توظيفًا مغلوطًا للنيل من قيمة الوطن أو التقليل من شأنه، ما أوجد حالة من الالتباس لدى بعض الفئات، لا سيما مع تصاعد الخطابات المتطرفة.
وأوضح أن الفتوى الرشيدة تتحمل مسؤولية محورية في تفكيك هذه المغالطات، وإعادة تصويب الوعي الجمعي، من خلال التأكيد على أن الانتماء إلى الوطن قيمة أصيلة في الفكر الإسلامي، تؤكدها نصوص الشريعة ومقاصدها العليا، باعتبار الوطن الإطار الحاضن لحفظ الدين والنفس والعقل والمال، وضمان الاستقرار الاجتماعي والتعايش الإنساني.
وسائط حديثة
وأشار مفتي الجمهورية إلى أن دار الإفتاء تولي اهتمامًا خاصًّا بمخاطبة الشباب والنشء عبر الوسائط الحديثة، موضحًا أن الدار تمتلك منصات رقمية متطورة لتقديم الفتاوى، يتابعها ما يقرب من 15 مليون متابع، بعدة لغات أجنبية، في إطار رسالتها العالمية الهادفة إلى تصحيح المفاهيم الدينية وتعزيز قيم التعايش والسلام.

مفهوم المواطنة
من جانبه، أكد الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، أن الفتوى الرشيدة تمثل ركيزة أساسية في ترسيخ الأمن الفكري والمجتمعي، وتعزيز مفهوم المواطنة والانتماء الوطني، مشددًا على أن الوطن أساس بناء شخصية الإنسان وقيمته وكرامته، وأن الخلط بين مفهوم الوطن والسياسة يمثل فهمًا مغلوطًا، لأن الوطن كيان جامع يتسع للجميع، والحاكم نفسه مواطن، والانتماء قيمة إنسانية ودينية قبل أن يكون شأنًا سياسيًّا.
وأوضح د. شومان أن الشريعة الإسلامية أرست مفهوم المواطنة منذ بواكير الدولة الإسلامية، مستشهدًا بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وما تبعها من إصلاح بين مكونات المجتمع، وصياغة وثيقة المدينة التي نظمت العلاقات الاجتماعية وأرست مفهوم الوطن الجامع. كما حذر من خطورة التجرؤ على الفتوى دون علم، مؤكدًا أن الفتوى صناعة دقيقة لا يتقنها إلا الراسخون في علوم الشريعة، وأن الفتوى المنضبطة قادرة على إصلاح الفرد والمجتمع، في حين أن الجماعات المتطرفة لا تعترف بمفهوم الوطن ولا بالمواطنة.
الفضاء الرقمى
وتطرق الأمين العام لهيئة كبار العلماء إلى التحديات التي تواجه المؤسسات الدينية في الوصول إلى الشباب، في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي وما تحمله من معلومات دينية مغلوطة، مؤكدًا أن الجماعات المتطرفة سبقت المؤسسات الرسمية في الفضاء الرقمي، داعيًا إلى ضرورة اقتحام هذه المساحات بأداء مؤسسي منظم، يقوم على فقه المقاصد والنظر إلى مآلات الفتوى، بما يسهم في تصحيح وعي الشباب وحمايتهم من الانجراف خلف الخطاب المتطرف.
تشويه الرموز
وفي كلمتها، قالت د. نهلة الصعيدي، مستشارة فضيلة الإمام الأكبر لشؤون الوافدين، إن الفتوى تضطلع بدور محوري في تعزيز حب الوطن وبنائه، مؤكدة أن القيم الوطنية والأخلاقية حاضرة في القرآن الكريم والسنة النبوية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في إبرازها وتفعيلها في الواقع المعاصر. وشددت على ضرورة أن تكون الفتوى ملامسة لقضايا المجتمع، وأن تحذر من تشويه رموز الوطن أو التقليل من شأنه، مشيرة إلى أن غياب القيم أو سوء فهمها يمثل أزمة حقيقية تتطلب تكاتف المؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية.
طغيان النزعة
واستعرضت د. نهلة نماذج من السيرة النبوية تؤكد حب النبي صلى الله عليه وسلم لوطنه، رغم ما تعرض له من أذى، مؤكدة أن هذا الحب يعكس المكانة الرفيعة للوطن في الوجدان الديني الصحيح. وأضافت أن الأجيال الناشئة باتت تمتلك مفاهيم مغلوطة عن معنى الانتماء، وأن الفتوى تسهم في ترسيخ مقاصد الشريعة، وربط قيمة العمل والإخلاص بمعنى الانتماء للوطن، محذرة من خطورة الأزمة القيمية التي يعيشها الشباب في ظل طغيان النزعة المادية والتنافس على المصالح الضيقة.
وأكدت في ختام كلمتها أن المؤسسات الدينية وحدها لا تستطيع مواجهة هذه التحديات، وأن بناء وعي مجتمعي متكامل يستلزم شراكة حقيقية مع المؤسسات الإعلامية والثقافية، لإعادة الاعتبار للقيم الأصيلة وتعزيز الانتماء الوطني لدى الأجيال الجديدة.






























