لا يوجد في مؤسسة الأزهر من يعتنق الفكر الشيعي
أتحدّى من يروّجون لهذه المزاعم أن يأتوا باسمٍ واحد فقط
سيظل الأزهر رمانة الميزان في مواجهة الطائفية المنسوبة للدين
كان الأولى به أن يعالج بدعة الأذان ونكاح المتعة وعصمة الأئمة
أطالب بجعل المقارنات الفقهية والعقائدية بأيدي العلماء وليس العوام
حوار: أحمد شعبان
في ظل محاولات متكررة لإثارة الجدل وبث الشكوك حول منهج الأزهر السني وعلمائه من قِبل بعض القيادات الدينية الشيعية في العراق، يخرج الدكتور أحمد محمود كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، ليضع النقاط فوق الحروف، ويواجه ما وصفه بـ«الدعاوى الكاذبة» حول انتشار أو تغلغل المذهب الشيعي في الأزهر الشريف.
وفي حوار خاص لـ«عقيدتي»، يؤكد أستاذ الشريعة الإسلامية أن الأزهر الشريف سيظل منارة للوسطية والثقافة السنية الأصيلة، عصيًا على الطائفية ومحاولات التشكيك، مشددًا على أن المقارنات المذهبية لا يجوز أن تكون ساحة للعوام، بل تظل حكرًا على العلماء وأهل الاختصاص، حفاظًا على وحدة المجتمع واستقراره.
وفي نبرة غضب واستنكار، قال الدكتور كريمة: «لا يوجد داخل مؤسسة الأزهر الشريف من يعتنق الفكر الشيعي، وأتحدّى من يروّجون لهذه المزاعم أن يأتوا باسمٍ واحد فقط ينتمي إلى هذا المذهب، فالأزهريون ـ والحمد لله ـ راسخون في الثقافة السنية، التي تعبّر عن صحيح الإسلام».
دعوى كاذبة
بداية، ما ردكم على من ادّعى وزعم وجود انتشار أو توغل أو تغلغل للمذهب الشيعي في مصر، بلد الأزهر الشريف؟
ينبغي أن يُعلَم يقينًا أن ثقافة الأزهر الشريف تقوم في أصلها على التقريب بين المذاهب الإسلامية المعتمدة، وليس على إلغاء مذهب أو إحلال آخر مكانه. ويتجلّى ذلك بوضوح في مقرر الفقه الإسلامي المقارن، حيث تُعرض آراء المذهب السني، وهو مذهب الأزهر الشريف، إلى جانب آراء المذهب الشيعي الجعفري، وكذلك الشيعي الزيدي إن كان لهم رأي في مسألة خلافية، إضافة إلى المذهب الإباضي كما هو معمول به في سلطنة عمان.
ويقوم الأزهر بعد ذلك بعمل الترجيحات العلمية، إمّا لقوة الدليل، أو لتحقيق المصلحة، أو لدفع المفسدة، وفق أصول الاستدلال المعروفة عند أهل العلم. وحين يعرض الأزهر الشريف آراء المذهب الشيعي في الفقه المقارن، فإنما يفعل ذلك من باب العلم والمعرفة، لا من باب الاعتناق أو الترويج لأي مذهب.
ومن المهم التأكيد على أن التقريب بين المذاهب لا يعني بحال من الأحوال اعتناق مذهب بدلًا من آخر. وقد عبّر عن ذلك بوضوح الإمام الشيخ محمود شلتوت ـ رحمه الله ـ حين قال: “إن شريعة الله عز وجل ليست تابعة لمذهب، وليست محصورة في مذهب”. وهذه رؤية علمية ثاقبة، تعبّر عن احترام المسلمين للمسلمين، دون تعصب أو إلغاء.
أما أن يأتي من يزعم وجود انتشار أو توغل أو تغلغل للمذهب الشيعي أو الإباضي في مصر، بلد الأزهر الشريف، فهذه دعوى كاذبة لا أساس لها من الصحة؛ لأن مصر، بأزهرها الشريف، عصية على الطائفية المنسوبة إلى الدين، وسيظل الأزهر الشريف ـ إن شاء الله ـ منارة الثقافة السنية الأصلية والأصيلة.
الفاطميون حكموا مصر مئات السنين ولم يستطيعوا تشيع الشعب
وبالمثال يتضح المقال: الفاطميون حكموا مصر مئات السنين، ومع ذلك لم يستطيعوا التأثير في تدين الشعب المصري، ولا تحويله إلى التبعية للمذهب الشيعي، رغم ما امتلكوه من سلطة سياسية ونفوذ.
وحتى يومنا هذا، وبفضل الله عز وجل، ورغم أن عدد المسلمين في مصر يتجاوز مئة مليون مسلم سني، لا يوجد سوى أفراد معدودين يُحصون على أصابع اليد الواحدة ممن يُنسبون إلى التشيّع، وغالب انتمائهم لأسباب سياسية، لا دينية.
وستظل مصر عصية على الطائفية؛ فلم تكن يومًا شيعية، ولا إباضية، ولا إخوانية، ولا داعشيّة، ولا أي تيار يمس إسلامية مصر السنية، لأنها ببساطة تسير على مذهب الأزهر الشريف، المعبّر عن حقيقة الإسلام.
ادعاءات كاذبة واتهام رخيص لإثارة الفتنة لا البحث عن الحقيقة
إثارة الفتنة
وُجّه اتهام مباشر للأزهر الشريف وبعض علمائه بأنهم يأخذون بالمذهب الشيعي، رغم أن منهج الأزهر سني واضح، كيف تردون؟
هذا اتهام رخيص، ومصدره إثارة الفتنة لا البحث عن الحقيقة. والحمد لله رب العالمين، مصر لا تتدخل في شؤون الدول الأخرى، وكان الأجدر بهذا المدّعي أن ينشغل بمعالجة قضايا عالقة داخل مذهبه، بدلاً من الدخول في سجالات ومجادلات لا طائل منها.
كان الأولى به أن يعالج بدعة إدخال اسم الإمام علي ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ في الأذان، علمًا بأن سيدنا علي نفسه لم يؤذن بهذا الأذان. وكان حريًا به كذلك أن يعالج ما يُسمى بنكاح المتعة، الذي هو أقرب إلى الزنى منه إلى الزواج الشرعي، وأن يتوقف عند مسألة العصمة المدّعاة لسادتنا آل البيت رضي الله عنهم، وهي عقيدة أساسية عند الشيعة الإمامية، حيث يعتقدون بوجوب عصمة الأئمة من الذنوب صغيرها وكبيرها.
أما أن يترك كل هذه القضايا، ويوجّه الاتهامات إلى أكبر مؤسسة سنية في العالم بأسره، بل ويقف في خندق واحد مع الماسونية والعلمانية والسلفية المتشددة لمحاولة الإساءة إلى الأزهر الشريف، فهذه محاولات عبثية لن تؤتي ثمارها.
خدمة الإسلام
إذا أردنا الحديث عن ثوابت الأزهر الشريف في العقيدة والمنهج، فماذا تقول؟
الأزهر الشريف ـ والحمد لله ـ منذ أكثر من ألف عام قائم على خدمة الإسلام دينًا، لا خدمة مذهب بعينه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “دعوها فإنها منتنة”، وقال أيضًا: “ليس منا من دعا إلى عصبية”. ويضرب القرآن الكريم مثالًا واضحًا في الثناء على السابقين الأولين من الصحابة رضي الله عنهم، إذ يقول الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100].
فالله تعالى ترضّى عنهم، بينما جاء التعصب الشيعي ليحوّل هذا الترضّي إلى «السلام»، ثم إلى ادعاء العصمة، دون سند علمي أو نص شرعي صحيح. وهذه مجرد عينة من الانحرافات الفكرية، ومع ذلك سيظل الأزهر الشريف ـ بفضل الله ـ رمانة الميزان في مواجهة الطائفية المنسوبة إلى الدين.
الخلاف المذهبي
لماذا يرفض الأزهر تصدير الخلاف المذهبي إلى المجتمع؟
لأن الأزهر يتمتع بالخبرة والفطنة والحكمة. فالمقارنات الفقهية أو العقائدية مكانها قاعات البحث والدراسة، لا ساحات العامة، وإثارة هذه القضايا على المستوى الشعبي قد تضر بالمجتمع، خاصة مع وجود مستويات ثقافية متفاوتة، وقد تُثار شبهة يقتنع بها المتلقي دون أن يفهم الجواب العلمي الصحيح.
ولهذا أناشد الجميع أن تظل الدراسات المقارنة، سواء في العقيدة أو الفقه، حكرًا على العلماء داخل المؤسسات العلمية، وألا تُطرح في الخطاب الدعوي أو الإعلامي.
الإهمال والصمت
هل ترى أن الأزهر رد بما يكفي على هذه الادعاءات؟ وما المطلوب لمواجهتها؟
أحيانًا يكون الإهمال والصمت هو السبيل الأمثل لإبطال الفرية. فهذه الادعاءات لا تستحق تضخيمًا. وكان الأولى بصاحبها أن ينشغل بما يوحّد المسلمين، لا بما يفرقهم، خاصة في هذا التوقيت الدقيق.
والعالم كله يعلم أن الأزهر الشريف، واقعًا ودستورًا وعلمًا وثقافةً، هو ممثل المنهج السني في شتى العلوم الإسلامية، وسيظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
رددت على مزاعمهم في معتقد “البداء” وتطاولهم على الصحابة

ردود علمية
لكنكم كأحد علماء الأزهر الشريف كان لكم ردود علمية سابقة على بعض الشيعة؟
نعم، الادعاءات الشيعية قديمة. ولي كتاب بعنوان «تعقبات على الأجوبة الشيعية على المسائل الأزهرية»، صدر عام 2020، ردًا على باحث شيعي عراقي وجّه اتهامات للأزهر منذ نحو ثماني سنوات.
تناولت في الكتاب هذه الادعاءات بأسلوب علمي، دون طعن في عقائد الآخرين، ملتزمًا بأخلاقيات البحث العلمي. وتطرقت إلى المسلّمات الشرعية، وحفظ القرآن الكريم، وعدم ضياع شيء منه، ودافعت عن السنة النبوية المطهرة، وأثبتُّ دليل الإجماع.
كما رددت على مزاعم ومعتقد «البداء» عند الشيعة، والتي تعني ـ بزعمهم ـ أن الله يستأنف العلم أو ظهور أمر جديد أو تغيير في تقدير إلهي، وهو قول باطل عقلًا وشرعًا. ونقدت تطاولهم على الصحابة رضي الله عنهم، مؤكّدًا وجوب توقيرهم جميعًا، فهم عدول بلا استثناء.






























