علي الرغم أنها جزء أصيل من تراثنا إلا أن ثقافة الاختلاف تبدو وكأنها فقه غائب عن واقعنا الديني والحضاري، فالاختلاف لم يكن يومًا لعنة، بل كان على الدوام بابًا للاجتهاد والتكامل، ومصدرًا للثراء الفكري لا للفرقة والصراع.
الاختلاف في جوهره حقيقة إنسانية وسنة كونية فالناس لا يتشابهون في العقول ولا في الطباع ولا في الرؤى، وقد أقرّ الدين هذا التنوع، وجعل منه مساحة للتعارف لا للتناحر، غير أن المشكلة لا تكمن في وجود الاختلاف، بل في غياب فقه التعامل معه. حين يتحول الاختلاف إلى خصومة، والرأي إلى معركة، نكون قد فقدنا المعنى الحقيقي للحوار، واستبدلنا ثقافة الاختلاف بثقافة الإلغاء.
في التراث الإسلامي نماذج مضيئة لاحترام الاختلاف، حيث اختلف العلماء في الفروع، وتعددت آراؤهم في المسائل الاجتهادية، دون أن يُكفّر بعضهم بعضًا أو يُسقط أحدهم عدالة الآخر. كان الخلاف بينهم دليل حيوية فكرية، لا علامة ضعف أو انقسام. لكن ما نراه اليوم هو قفز غير مبرر من الخلاف في الرأي إلى التشكيك في النيات، ومن الاجتهاد إلى الاتهام، وكأن الحقيقة حكر على فريق واحد.
غياب فقه الاختلاف يتجلى بوضوح في الخطاب العام، سواء الديني أو الإعلامي أو السياسي. فبدل إدارة الحوار بالعقل والحجة، يُدار بالصوت المرتفع والتخوين والتصنيف. وبدل أن يكون الاختلاف مدخلًا لفهم أعمق، يصبح ذريعة لإشعال الفتن وبناء الجدران بين أبناء المجتمع الواحد. هذا المناخ لا ينتج إلا مزيدًا من الاحتقان، ويغلق الباب أمام أي مشروع نهضوي حقيقي.
وسائل التواصل الاجتماعي زادت المشهد تعقيدًا. فقد منحت الجميع منابر مفتوحة، لكنها لم تمنحهم أدوات الحوار. فأصبح الرأي السريع، ورد الفعل الغاضب، والحكم القاطع، هو السائد. وفي هذا الفضاء، تراجعت قيمة الاستماع، وغاب أدب الخلاف، وحل محله منطق «إما معي أو ضدي». وهنا تتآكل ثقافة الاختلاف، وتتحول إلى صراع هويات لا نقاش أفكار.
إحياء فقه الاختلاف يبدأ من الاعتراف بأن الحقيقة في القضايا الاجتهادية متعددة الزوايا، وأن الخطأ والصواب احتمالات بشرية، لا صفات مطلقة. ويبدأ أيضًا من التعليم، حين نُعلّم أبناءنا أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن احترام الرأي الآخر لا ينتقص من القناعة الشخصية. كما يبدأ من المنابر، حين يُقدَّم الخلاف بوصفه تنوعًا مشروعًا، لا انحرافًا أو تهديدًا.
المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية تتحمل مسؤولية كبرى في هذا السياق. فهي مطالبة بتقديم نماذج عملية للحوار الرشيد، وبالتمييز بين الثوابت التي لا تقبل الجدل، والمساحات الواسعة التي تحتمل الاجتهاد. كما أن النخب الفكرية مطالبة بمراجعة خطابها، والابتعاد عن لغة الاستعلاء، والاقتراب أكثر من هموم الناس وأسئلتهم الحقيقية.
إن ثقافة الاختلاف ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية لبقاء المجتمعات متماسكة وقادرة على التقدم. وغياب هذا الفقه لا يهدد السلم الاجتماعي فقط، بل يعطل طاقات الإبداع، ويحوّل التنوع إلى عبء بدل أن يكون ثروة. وإذا أردنا مستقبلًا أكثر استقرارًا، فعلينا أن نعيد الاعتبار لفقه الاختلاف، بوصفه أحد أهم مفاتيح الوعي، وجسرًا ضروريًا بين العقول والقلوب.






























