من «السيطرة إلى المشاركة»… عبدالله المرزوقي يعيد قراءة الإعلام المعاصر
إصدارات فكرية جديدة تناقش تحولات الإعلام وتجربة قطر التنموية
المؤلف يجمع بين الإعلام والتنمية في مشروع معرفي واحد
كتب: أحمد شعبان
في إطار الزخم الثقافي والفكري الذي يشهده معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، يشارك الإعلامي والأكاديمي الدكتور عبدالله فرج المرزوقي بإصدارين جديدين يطرحان مقاربتين معرفيتين عميقتين حول تحولات الإعلام المعاصر ومسارات التنمية المستدامة، هما: «الإعلام التقليدي والسوشيال ميديا: من السيطرة إلى المشاركة» و«التنمية الذاتية وأفق الاستدامة: تجربة قطرية»، في إضافة نوعية تعكس امتداد اهتمامه البحثي بقضايا الفكر الإعلامي والتنموي في العالم العربي.

الإعلام من السيطرة إلى المشاركة
يمثل الكتاب الأول قراءة تحليلية معمقة لمشهد إعلامي يتغير بوتيرة متسارعة، حيث ينطلق الدكتور المرزوقي من فرضية أساسية مفادها أن الإعلام لم يعد مجرد مؤسسات تنقل الخبر أو تصنع الرأي من أعلى إلى أسفل، بل تحول إلى فضاء عالمي مفتوح تتقاطع فيه الأدوار، وتتشابك فيه التأثيرات، وتتشكل داخله أنماط جديدة من القوة والتأثير.
ويؤكد المؤلف أن الإعلام التقليدي، الذي حكمه منطق «السيطرة» لعقود طويلة، كان يقوم على نموذج هرمي تتحكم فيه المؤسسات في المحتوى وتوقيته واتجاهاته، بينما جاءت الثورة الرقمية لتكسر هذا النموذج، وتفتح الباب أمام «عصر المشاركة»، حيث بات المتلقي شريكًا في صناعة المحتوى، وفاعلًا في توجيه النقاش العام، لا مجرد مستقبل سلبي للرسائل الإعلامية.
ومن أبرز ما يقدمه الكتاب تفكيكه العميق لمفهوم «حارس البوابة»، الذي كان يمثل جوهر العمل الصحفي التقليدي، إذ انتقلت سلطة الاختيار والتصفية من غرف التحرير إلى الخوارزميات الرقمية، التي تمارس نوعًا جديدًا من السيطرة غير المرئية عبر التخصيص الفردي للمحتوى، ما أدى إلى بروز ظواهر مثل «فقاعات الترشيح» وتجزئة الجمهور.
كما يناقش المرزوقي بروز ظاهرة «الصحفي المواطن»، التي كسرت احتكار المؤسسات الإعلامية لعملية الرصد والمتابعة، وحولت كل فرد يحمل هاتفًا ذكيًا إلى منصة محتملة لنقل الخبر، مع ما يحمله ذلك من فرص لتعزيز التعددية، وتحديات تتعلق بالمصداقية والتحقق.
ويخصص الكتاب مساحة مهمة للمقارنة المنهجية بين الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي، متوقفًا عند ثنائية «المصداقية مقابل السرعة»، حيث لا يزال الإعلام التقليدي متمسكًا بقواعد التحقق والمسؤولية المهنية، في مقابل سعي السوشيال ميديا إلى السبق والانتشار الفوري، وهو ما أفرز نمطًا إعلاميًا جديدًا تُقدَّم فيه السرعة أحيانًا على الجودة.
ولا يغفل المؤلف البعد الاجتماعي والسياسي لهذه التحولات، محللًا دور المنصات الرقمية في التعبئة والحراك، وفي تشكيل المجتمعات الافتراضية العابرة للحدود، ومحذرًا في الوقت ذاته من مخاطر البروباغندا الرقمية، وصناعة الوعي الزائف، واستخدام الجيوش الإلكترونية في تزييف الحقائق وتقويض الثقة العامة.
ويختتم الكتاب برؤية اقتصادية للإعلام في «عصر الترند»، حيث لم تعد القيمة في الورق أو البث، بل في البيانات والانتباه، مع صعود اقتصاد المؤثرين بوصفه أحد أبرز ملامح المرحلة. ويدعم المرزوقي أطروحاته بدراسات حالة عالمية، مثل تجربة «نيويورك تايمز» في التحول إلى الاشتراكات الرقمية، و«بي بي سي» في تنويع منصات التوزيع، إضافة إلى قراءة خاصة لتجربة الإعلام القطري باعتباره أداة للقوة الناعمة والدبلوماسية الدولية.

التنمية الذاتية وأفق الاستدامة
أما الكتاب الثاني «التنمية الذاتية وأفق الاستدامة: تجربة قطرية» فيقدم رؤية فكرية مختلفة للتنمية، تنطلق من الإنسان باعتباره محور النهضة ومحركها الأساسي. ويطرح الدكتور المرزوقي أطروحة جوهرية مفادها أن الاستدامة لا تختزل في المشاريع العملاقة أو المؤشرات الاقتصادية، بل تبدأ من وعي الفرد وسلوكه ومسؤوليته تجاه ذاته ومجتمعه ووطنه.
ويستعرض الكتاب رؤية قطر الوطنية 2030، بوصفها نموذجًا للتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، من خلال مرتكزاتها الأربعة: التنمية البشرية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والتنمية البيئية، مؤكدًا أن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان، وفي بناء منظومة قيمية قادرة على صون المكتسبات واستدامتها.
ويولي المرزوقي اهتمامًا خاصًا بالبعد الأخلاقي والإنساني للتنمية، معتبرًا أن «النهضة الحقيقية تبدأ من الداخل»، وأن القيم مثل الأمانة، والعمل الجماعي، والمسؤولية المجتمعية، هي الضمانة الفعلية لتحويل الخطط والسياسات إلى واقع معيش ومستدام.
كما يبرز الكتاب أهمية الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بوصفها شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستدامة، مؤكدًا أن التجربة القطرية قامت على تكامل الأدوار، لا على انفراد جهة واحدة بصناعة القرار أو تحمل المسؤولية.
بهذين الإصدارين، يقدم الدكتور عبدالله فرج المرزوقي إسهامًا فكريًا مزدوجًا يجمع بين قراءة نقدية لتحولات الإعلام، ورؤية إنسانية شاملة للتنمية، في أعمال تتجاوز الوصف والتحليل إلى بناء وعي معرفي يواكب تحديات الحاضر ويستشرف آفاق المستقبل.






























