أستاذ الفقه المقارن وعميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية الجامعة القاسمية، الشارقة
في النصف من شعبان من كل عام يحتفل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بعيد تحويل قِبلة المسلمين من البيت المقدس إلى بيت الله الحرام، وهذا الحدث له أهمية ودلالة خاصة في حياة المسلمين، وقد تحدث القرآن الكريم عن ذلك كله في ثُلَّة من آيات الذكر الحكيم من سورة البقرة. وسوف أتناول بعضا من فقه تحويل القبلة على النحو الآتي: أولا – هذا الحدث له دلالة خاصة في الانتماء للوطن من خلال تقليب النبي وجهه في السماء داعيا ربَّه أن تكون قِبلته إلى بيت الله الحرام، ذلكم البيت الذي رفع قواعده جدّه الخليل إبراهيم وولده إسماعيل- عليهما السلام- والذي تحظى مكة بشرف وجوده فيها، وهذا فيه درس في الانتماء إلى الوطن، وحبّه، والإعلاء من قيمة المقدّسات التي يحويها، على النحو الذي أخبر عنه القرآن الكريم في قوله: “قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ” البقرة : (144)
ثانيا: تحويل القِبلة له علاقة أيضا بتمييز الهُوية الإسلامية عن غيرها، إذ كان المسلمون يتّجهون إلى بيت المقدس في صلاتهم قرابة ستة أو سبعة عشر شهرا متّبعين في ذلك قِبلة اليهود، ثم يأتي الأمر من السماء إلى النبي ومن معه بالتوجّه إلى بيت الله الحرام، ليتميّز المسلمون عن غيرهم، ويستقلّوا في شعائرهم عن الاتّباع لغيرهم، وفي هذا درس في التميّز والاستقلال وعدم الذوبان في الآخر، والحفاظ على الهُوية الإسلامية. والهُوية المصرية، والحفاظ على الموروثات الحضارية لنا نحن المصريين أمر نتعلّمه من فقه القِبلة، وهو أخصّ دروسها على الإطلاق .
ثالثا: أول ما يدل عليه حدث تحويل القِبلة هو وقوع النسْخ في الشرع الإسلامي، فأول ما نُسخ من شريعة الإسلام القِبلة، خلافا لما ذهب إليه البعض من القول بإنكار النسْخ كأبي مسلم الأصفهاني، خلافا لما عليه جماهير أهل العلم، قال تعالى :”مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا”. وقد كانت القِبلة في أول الإسلام إلى بيت المقدس وقد مكثَ المسلمون قرابة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا يتّجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، ثم نُسِخَ هذا الحُكم، وأمروا بأن يتّجهوا في صلاتهم إلى بيت الله الحرام قال تعالى :”قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ. ”
رابعا: من فقه القِبلة أيضا: أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه، فعن ابن عمر رضي الله عنه عنهما أنه قال: بينما الناس بقِباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله قد أُنزل عليه الليلة قرآن وقد أُمر أن يستقبل الكعبة فاستقبِلوها. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به وإن تقدّم نزوله وإبلاغه لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء.
وهذا من يُسر الشريعة الإسلامية التي تعمل دائما على رفع الحرج عن المكلَّفين ما أمكن .
خامسا: استقبال القِبلة شرط لصحة الصلاة في الفريضة إلا صلاة النافلة في السفر على الراحلة، فإنه يشرع ترك الاستقبال فيها، وكذا في صلاة شدّة الخوف عند التحام الصفوف، فيصلّى المسلم راكبا، أو راجلا، مستقبل القِبلة، وغير مستقبل لها، فعن جابر، قال: كان النبي يصلّي على راحلته حيث توجّهت به، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القِبلة. والمراد من هذا الحديث هاهنا: أن النبي لم يكن يصلّي المكتوبة إلا على الأرض مستقبل القِبلة، فأمّا صلاة الفريضة على الأرض فواجب لا يسقط إلا في صلاة شدّة الخوف، كما قال تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً).
حفظ الله مصر، حفظ الله الجيش.






























