غذاء العقل والروح.. حصن الانتماء والهُوية
د. أحمد هَنو: فضاء وطني جامع لإعادة إنتاج وصياغة الوعي
متابعة: منى الصاوى
يختتم- الثلاثاء المقبل 3 فبراير- معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والذى أُقيم تحت رعاية فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، تحت شعار «من يتوقَّف عن القراءة ساعة يتأخَّر قرونًا»، فيما حلَّت دولة رومانيا ضيف شرف الدورة، وكرَّم المعرض الأديب العالمي نجيب محفوظ بوصفه شخصية المعرض.

وقدَّم المعرض لجمهوره برنامجًا ثقافيًا وفنيًا متنوّعًا، ضم ندوات فكرية، أمسيات أدبية، فعاليات فنية، وأنشطة مخصّصة للأطفال والشباب. وشهد إقبالًا جماهيريًا برقم قياسي غير مسبوق مقارنة بمثيله في الدورات السابقة.
وقد سجَّلت صلاتا الجمعة فى الأسبوعين الماضيين، مشهدا مهيبا لعدد المصلّين وهم يتوجَّهون إلى الله بالدّعاء أن يحفظ مصر وأهلها.
حدث وطنى
أكد د. أحمد فؤاد هَنو- وزير الثقافة- أن هذا الزخم الجماهيري الكثيف والاستثنائي يعكس تحوّل المعرض من حدث ثقافي دوري إلى كونه فضاءً وطنيًا جامعًا لإعادة إنتاج وصياغة الوعي العام، حيث أضحى أحد الدلالات الحيَّة عن مشروع “الجمهورية الجديدة”، مشيرًا إلى أن هذا التفاعل الواسع يؤكد أن الوعي الثقافي بات عنصرًا أصيلًا في وجدان المجتمع المصري، وأن الثقافة لم تعد نشاطًا نخبويًا، بل قوة مجتمعية فاعلة تساهم في بناء الإنسان وتعزيز قدرته على الفهم والمشاركة وصياغة المستقبل.
أوضح أن وصول عدد زائري المعرض إلى أكثر من 4.5 مليون زائر خلال أيام محدودة يُجسّد نجاح الدولة المصرية في ترسيخ الثقافة كأحد أعمدة التنمية المستدامة، ويؤكد قُدرتها على تقديم نموذج حضاري حديث يجمع بين عُمق التاريخ، وحيوية الحاضر، واستشراف المستقبل، لافتًا إلى أن ما يشهده المعرض من تنوّع فكري وتعدّد ثقافي وتنظيم بمعايير دولية يعزّز مكانة القاهرة كعاصمة للثقافة العربية، ويُعيد تثبيت دور مصر كمركز إشعاع معرفي وحضاري مؤثّر في محيطه الإقليمي والدولي.
.. و”البوصلة” تتَّجه نحو “الوعي”:
المؤلَّفات الإسلامية تتصدّر المشهد و”مصحف الإشارة” أيقونة الدورة الـ 57
قبل ساعات من إسدال الستار على فعاليات الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، كشفت المؤشرات البيعية وإحصاءات دور النشر عن حقيقة لا تقبل التأويل، وهي أن الوعي والتفقُّه الديني هما القائد الأول للماراثون الثقافي هذا العام، فعلى الرغم من تنوّع الروافد الأدبية، ظلّت الكُتب ذات “الصِّبْغَة الإسلامية” هي الأكثر جذباً للجمهور، في مشهد يبرهن على أن البحث عن الفكر الوسطي المستنير لا يزال على رأس أولويات القارئ العربي، وهو ما رصدته “عقيدتي” خلال جولتها بين أروقة صالات العرض لرسم خارطة الإقبال وتفنيد أسباب تصدُّر أسماء شيوخ الأزهر لقوائم “الأكثر مبيعاً”.

تجلَّى هذا الإقبال بوضوح داخل جناح الأزهر، الذي مثَّل قلعة للوسطية من خلال مجموعة ضخمة من المجلّدات التي تمزج بين عَبَق التراث وقضايا العصر، حيث استقطب كتاب “القول الطيب” في مجلّداته الثلاثة لفضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شريحة واسعة من القرّاء الباحثين عن ثراء الفكر الفلسفي، كما شهدت أرفُف الجناح رواجاً كبيراً لمؤلَّفات الأئمة السابقين، مثل “الإسلام عقيدة وشريعة” للشيخ محمود شلتوت، و”الأدلة المادية على وجود الله” للشيخ محمد متولي الشعراوي، فضلاً عن إصدارات ناقشت قضايا ملحَّة مثل “أحكام الاحتكار” للدكتور عباس شومان و”الشائعات الكاذبة” للدكتور محمد سيد طنطاوى.
وفي لفتة تعكس سماحة الإيمان، عرض الجناح كتاب “من سنا العشق الإلهي” للشاعرة المسيحية مريم توفيق، ليكون دليلاً حيّاً على إعلاء قيم المواطنة.
الأجنحة الحكومية والخاصة
ولم يقتصر هذا الرواج على المؤسسات الدينية فحسب، بل امتد ليشمل الأجنحة الحكومية والخاصة، حيث أكّد مسئولو مكتبة الإسكندرية أن الكتب الدينية المترجَمة مثل “جدل الوجود الإسلامي في أوروبا” قد حقّقت أرقاماً قياسية، بينما نافست مؤلّفات د. مصطفى محمود في جذب جيل الشباب، وهو ما تكرّر في الهيئة المصرية العامة للكتاب التي برزت فيها عناوين مثل “القرآن بصوت مصر” و”تفكيك العقل الأصولي”.
وفي دور النشر الخاصة مثل “دار الشروق” و”دار كلمات” و”دار هلا”، استمرت مؤلَّفات الإمام محمد الغزالي وعلي عزت بيجوفيتش في تصدُّر المشهَد، مع ظهور لافت للكُتب المترجَمة التي تبحث في قضايا الديمقراطية والتسامح والحرية، مما يؤكّد أن القارئ في 2026 بات يبحث عن “الدِّين الحياتي” الذي يلامس واقعه ويفتح له آفاقاً جديدة من الفهم والمعرفة.
احتفاء خاص بـ”سفير القرآن” محمود علي البنا:
مائة عام من “قيثارة السماء” في دولة التلاوة
في قرية “شبرا باص” بالمنوفية، لم يكن ميلاد الطفل محمود في ديسمبر 1926 مجرد حدث عابر، بل كان استجابة لدعوة صادقة من أبٍ فقد أربعة من ذكوره، فرفع يده للسماء راجيًا “ولدًا يهبَه للقرآن”.

ومنذ اللحظة الأولى، سمِّي “الشيخ محمود” وكأن القدر يكتب له ملامح مستقبله قبل أن ينطق بكلمته الأولى.
لم تكن طفولة “محمود علي البنا” كغيره من الصبية، فقد أدرك والده أن هذا الغرس فريد، بحسب ما رواه نجله، الشيخ أحمد البنا، إذ أكد أن والده نال عقاباً صارماً ذات يوم لغيابه عن “الكُتّاب”، وحين ضبط يغني، قال له والده بحسم المحبّ: «إياك.. أنا وهبتك للقرآن».
بحلول الحادية عشرة، كان الصبي قد أتمّ حفظ القرآن، لينتقل إلى طنطا، وتحديداً إلى “معهد المنشاوي” والجامع الأحمدي، هناك، وفي لحظة تجلٍ، كان يقلّد كبار القرّاء مُغْمِضَ العينين أمام زملائه، وحين فتحها وجد مدير المعهد أمامه، ولم يعنّفه، بل بشَّره بأن طريقه هو “الاحتراف”.
الأضواء تنحني للصوت العريض
نصحه شيخه إبراهيم سلام، بالرحيل إلى القاهرة، “مصنع النجوم”، استقر الشاب في حيّ شبرا، وسرعان ما صار صوته حديث المجالس، وعام 1948، شهدت دار الأوبرا المصرية القديمة ولادته الرسمية حين قرأ في احتفال الهجرة الذي نُقل على الهواء.
ورغم أنه لم يكن مقيَّداً بالإذاعة حينها، فإن جمال صوته أجبر الجميع على فتح الأبواب له، ليصبح أحد أصغر القرّاء انضماماً للإذاعة المصرية.
هندسة الصوت والوجدان
لم يكن الشيخ البنّا مجرد قارئ، بل كان “مهندساً” للصوت، يحلِّل الموسيقار “د. حسام صقر” عبقريته قائلاً: صوته يمتد لنحو 15 طبَقة صوتية، يبدأ من “اللا قرار” بعرض وتمكُّن، وينتهي بجوابات حادة وصافية.
كان يفرش الآيات بمقامي “البياتي” و”الحجاز”، فيأخذ المستمع في رحلة روحية يفسّر فيها القرآن بنبراته قبل لسانه، وهو ما تجلّى بوضوح في “المصحف المرتَّل” الذي سجّله عام 1967، ليظل مرجعاً للأجيال المتعاقبة.
القرآن في وجه المَدَافِع
تجاوز أثر الشيخ البنّا حدود التلاوة إلى “الوطنية” الصادقة، ففي نكسة 1967، وحين كانت القذائف تنهمر، ذهب الشيخ إلى السويس ليقرأ الجمعة في مسجد الشهداء تحت القصف، صامداً لا يتلعثم، بل تبرّع بأجره للمجهود الحربي، مؤمناً بأن القارئ هو جندي بكلمة الله.
وصية العارف بالله
في أيامه الأخيرة، كان الشيخ البنّا يشعر بدنو الأجل بقلب “عارف”، جلس يُملي نعيَه بنفسه، وحين دمعت عينا ابنه، قال له بيقين: «من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه»، كانت وصيته الأخيرة لأبنائه تلخيصاً لحياته: “حب القرآن، عدم أذيَّة الناس، وعدم الشّرك بالله”.
وفي 20 يوليو 1985، صعدت الروح إلى بارئها، لكن “المدرسة البناوية” ظلت حيّة، من المسجد الأقصى إلى الحرمين الشريفين، ومن “شبرا باص” إلى عواصم أوروبا، لا يزال صوت محمود علي البنا يتردّد، شاهداً على قرن من الزمان لم يزد صوته إلا جلاءً، ولا ذِكره إلا بقاءً.
.. وسبق عالمي:
أول مصحف بـ”لغة الأصابع” يبصر النور في الجناح الإندونيسي
بمجرد أن تطأ قدماك الجناح الإندونيسي في صالة (1)، تشعر أنك غادرت صَخَب القاهرة لتجد نفسك في قلب “جاكارتا”، تلك العاصمة النابضة بالحياة، التي تتمايل بين حداثة الشرق ووقار التراث، إذ يستقبل القائمون على الجناح زائريهم بأزيائهم الفلكلورية التقليدية، التي تحكي نقوشها قصصاً من تاريخ “الأرخبيل”.

هناك، يقف “أفلحوا ديني”، المهاجر الذي يحمل في قلبه حب مصر، ليقودك في جولة معرفية تتجاوز مجرد عرض الكتب.
لا يتحدث “أفلحوا” عن المجلدات المرصوفة فحسب، بل يصحبك نحو “درّة التاج” في جناحه هذا العام، أول مصحف في تاريخ معرض الكتاب يُكتب كاملاً بلغة الإشارة للأحرف والتشكيل.
يشرح “أفلحوا” بلهجة مصرية سرّ هذا الابتكار، قائلاً: “هنا لا نكتفي بنقل المعنى، بل نعلِّم لغة الجسد كيف تنطق بكلام الله حرفاً بحرف”.
وبينما تتصفّح الأوراق، يوضح لك كيف تتحوّل حركة الأصابع والأعصاب إلى حروف هجائية (ألف، باء، تاء) وحتى حركات التشكيل من فتحة وكسرة، في سابقة هي الأولى من نوعها عالمياً.
وفي زاوية الجناح، يمكنك مشاهدة المعلِّم وهو يشرح لزوّار المعرض، وخاصة ذوي الهمم، كيف يطوِّعون “لُغة اليد” لتلاوة النصّ القرآني بأحرفه الأصلية.
يضيف: “هذه المعجزة المكتوبة لم تخرج للنور بسهولة، بل كانت رحلة صبر بدأت عام 2018، واستغرقت ست سنوات من العمل الشاق لتكتمل أجزاؤه الثلاثون عام 2024، ويتوَّج الجهد بعرضه في القاهرة عام 2026”.

ومضى “أفلحوا” في حديثه موضحًا: “لم يكن هدفنا مجرد تقديم وسيلة للقراءة، بل أردنا كسر حاجز العُزلة الذي قد يشعر به الصُّم والبُكم تجاه النَّص المقدّس، فمن حق كل إنسان أن يشعر بجرس الحروف في وجدانه حتى وإن لم تسمعها أذناه، لقد حرصنا في إندونيسيا أن يخرج هذا المصحف بمعايير دقيقة، تجعل من حركة اليد عبادة تضاهي في خشوعها ترتيل اللسان، ليكون جسراً يربط قلوب ذوي الهِمم بخالِقهم في أي مكان بالعالم”.
أشار إلى صفحات المصحف المبتكَرة قائلاً: “حين نرى دهشة الزائرين وتفاعلهم هنا في “أرض الكنانة”، ندرك أن تلك السنوات الست من البحث والتدقيق لم تذهب سُدًى، إن وجودنا في معرض القاهرة بهذا المنجَز هو رسالة حب من الأرخبيل الإندونيسي إلى العالم أجمع، نؤكد من خلالها أن لغة الإيمان لا تعرف الحدود، وأن العِلم في خدمة الإنسانية يمكنه أن يفتح أبواباً كانت موصَدة لقرون طويلة”.






























