“الغفْلة” أخطر أمراض القلوب فى العصر الرقمي
هكذا نحقِّق تزكية القلوب لاستقبال رمضان
“الصَّاحِب سَاحِب”.. فلينظر أحدنا من يُصاحِب
حوار- نُهى الفخراني:
في ظل التحوّلات الثقافية والتكنولوجية المتسارعة، بل المتلاحقة، يعيش المسلم اليوم بين ضغوط متعدّدة تؤثّر في وعيه الديني، من الخصوصية المنهَكَة، والمقارنات الظالمة لما يُعرض في هذا العالم الافتراضي، وهيمنة “الترند”، وغيرها من الأمور، التي قد تصرف المسلم عن جوهر العبادة ومقاصدها الأساسية!
ومع اقتراب شهر رمضان، تتجدّد الأسئلة حول كيفية تهيئة النفس لهذا الموسم الإيماني في واقع مزدحم بالمشتِّتات، والمُلْهِيات.
في هذا الحوار، نناقش مع د. مسعد أحمد الشايب- مدير الأمانة العلمية بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والحاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن- سبل استعداد المسلم لاستقبال شهر رمضان، وكيف كان النبي ﷺ يتهيَّأ له روحًا وسلوكًا، إلى جانب قراءة واعية لتحديات العصر.
*بداية نود معرفة أخطر أمراض القلوب المنتشرة في زماننا، وهل ترون أن لوسائل التواصل الاجتماعي دورًا في تفاقمها؟
** أخطر أمراض القلوب في زمننا هو الغَفْلة، التي قال عنها القرآن الكريم: “وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا” [الكهف: 28]، والغفلة اليوم امتدت لكل شيء ليس للعبادة فقط كما توضّح الآية الكريمة، وإنما امتدت لتحصيل العلم، للنبوغ والتفوق، التحسين من الحياة والمعيشة والحالة الوظيفية، بل امتدت للنُّقلة الحضارية أيضا، فنرى كثيرًا من الدول والأوطان وخصوصًا العربية والإسلامية تغفل عن الإنتاج والعمل والبناء، وتكتفي بكونها دول مستهلِكة غير منتِجة، مستوردة غير مصدِّرة، ولا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي لها الدور الأكبر في ذلك، فانشغالنا بها أكثر من انشغالنا بالأعمال المنوطة بنا.
أسس بناء البيت
*وما أهم الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها بناء البيت المسلم في ظل التحديات الفكرية والتقنية المعاصرة؟
** أهم هذه الأسس هو المراقبة، التقويم، التوجيه المستمر، فالصاحب ساحب كما يقولون، والصحبة اليوم ليست بين شخصين أو مجموعة أشخاص وحسب، فالصحبة قد تكون أيضًا معنوية لوسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، أو ما يسمّى بالسوشيال ميديا، وقد يقع أفراد الأُسرة في فخٍّ من فخاخ الجماعات المتشدّدة والمتطرّفة، أو الجماعات المتفلِّتة، فلابد في بناء البيت المسلم من المراقبة، والتقويم عند الخطأ، والتوجيه المستمر لما ينبغي أن يكون أفراد الأسرة عليه، فقد قال النبي: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ» (رواه البخاري).
“إيمانية” التكنولوجيا!
*هل يمكن للتكنولوجيا أن تتحوّل إلى وسيلة لزيادة الإيمان؟ وكيف عمليًا؟
** نعم يمكن عن ذلك عن طريق تسخيرها في البناء والعمران الحضاري، ونفع الناس وخدمتهم، ومداواة آلامهم وجراحهم، مع استخدامها في العبادات والأمور الخاصة التي تقوّي الإيمان، كتعلُّم أمور الدين، وسماع العلماء، وحفظ القرآن…إلخ، وقد أشار القرآن إلى كل ذلك عن طريق مفهوم المخالَفة، فقال سبحانه: “أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ” [إبراهيم: 28].
ثقافة “الترند”
*كيف تؤثّر ثقافة “الترند” والاستعراض الرقمي في انتشار أمراض مثل الحسد والرّياء وضعف الرضا؟
** لا شك أن ما يسمّى بـ”الترند” يولِّد عند كثير من الناس، الحسد وتمنّي زوال نعمة الغير، وهذا من ضعف الإيمان، ضعف الرضا، ومن الجهل بأحكام القضاء والقَدر، والأخذ بالأسباب.
كما قد يولِّد عند كثير من أصحابه الرياء، فيلحظ هذا الشخص في أعماله وما يقدّمه الناس بينما ينسى الله (عزَّ وجلَّ) وينسى الإخلاص، ينسى النفع، يميل إلى التفاهة وغيرها فيما يقدّمه لإرضاء الناس وليس المولى.
تزكية القلب
*كيف يمكن للمسلم أن يزكِّي قلبه ويعالج هذه الأمراض في ظل الانشغال الدائم بالتكنولوجيا؟
** بتحويل التكنولوجيا نفسها إلى أداة لتزكية القلب وعلاج أمراضه، فكما أشرت في السؤال السابق إلى إمكانية تسخير التكنولوجيا في زيادة الإيمان، أو ما يسمّى بـ(التَّحْلِيَة)؛ فكذلك يمكن تسخيرها في (التَّخْلِيَة) تزكية القلب ومعالجة الأمراض، بالتحذير والتذكير الدائم من أمراض القلوب ومساوئ الأخلاق وكيفية التغلّب عليها عن طريق البرامج والتطبيقات، والإعلانات…إلخ.
كما يمكن ذلك أيضًا عن طريق تخصيص وقت معين للتربية الروحية والوجدانية عن طريق الأذكار والأوراد، وملازمة الشيوخ والعلماء.
ضوابط الاستخدام
*وما هى الضوابط الشرعية لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بحيث لا تضر بالدين ولا بالأخلاق؟
** وسائل التواصل الاجتماعي مثل سكّين المطبخ، فبها الإنسان قد يقتل ويعتدي على الآخرين، وبها يهيّئ طعامه، ويقضي حاجاتها…الخ، فالمسئولية في وسائل التواصل تقع كاملة على الأشخاص، وليس على الآلات والمخترَعات الحديثة، وحريٌ وجديرٌ بالإنسان أن يفعل الآتي:
ـ أن يُخلص في استخدامها لوجه الله، لا سُمعة، ولا رياء، ولا مفاخرة، ولا كِبرًا، فهذا حري وجدير أن يقيم بوصلتها وقِبلتها من الأساس، فقد قال النبي: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ…» (رواه البخاري).
ـ أن يُحسن استخدام تلك الوسائل، ويسخّرها في مرضات الله، يقدّم بها النافع وفقط، فلا يضر بها أحدًا، لا دين، ولا أمّة، ولا وطن، ولا حتى نفسه، ولا أي أحد، فقد قال النبي: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (رواه ابن ماجه)، وحتى لا نقع في دائرة قوله (عزّ وجلّ): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم:29،28].
– عدم الانشغال بها في أوقات العبادة والطاعة، فلا نترك صلاة مثلا من أجلها، أو نستخدمها أثناء أداء العبادة والطاعة، فالطاعة تحتاج منّا تركيزا وخشوعا وخضوعا لا مجرد أداء حركات أو رموز، وشعارات.
ـ كما علينا أن نقيِّدها دائما بالحمد والشّكر، حتى لا تزول من بين أيدينا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:7].
المصادر الموثوقة
*ومن أين يستقي المسلم مصادر دينية موثوقة عبر الإنترنت في ظل كثرة الصفحات غير المتخصصة؟
** من الصفحات التي تقدِّم الإسلام، والعلم الوسطي، كصفحة الأزهر، المرصد الإليكتروني بالأزهر، الأوقاف المصرية، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، دار الافتاء المصرية، دار الإفتاء الأردنية، وكل الصفحات التي تتبنّى نهج ومنهج الأزهر.
التوثيق والنشر
*وما الحكم الشرعي في تصوير البيوت أو نشر خصوصيات الأُسرة عبر الكاميرات أو وسائل التواصل، سواء بدافع التوثيق أو مواكبة “الترند”؟
** لابد عند الحديث عن هذا الأمر أن نفرق بين توثيق اللحظات السعيدة الجميلة، أو الذكريات الهامة في حياتنا التي قد تكون دافعًا لمن بعدنا فيما بعد، وبين نشر الخصوصيات، فتوثيق اللحظات والذكريات السعيدة أمر مباح لا شيء فيه، ومشاهد السيرة النبوية تعدُّ دليلًا على ذلك فهي تصوير لحياة النبي على الورق، وكأنك تراه بعينيك.
أما نشر الخصوصيات للأسف “هَوَس” ومرض اجتماعي خطير، ويترتّب عليه أضرار عظيمة، وسببه حبّ الترند، فالخصوصية خصوصية، وليست كلأ مباحًا للعوام، والأنكى من ذلك نشر أسرار البيوت وغُرف النوم أيضًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقد قال النبي: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» (صحيح مسلم).
*كيف كان النبي والصحابة يتعاملون مع أبنائهم تربويًا ونفسيًا؟ خاصة قبيل رمضان؟
** كان النبي يُحسن المعاملة النفسية والتربوية فكان يُلقي عليهم السلام، وكان يعزّي حزينهم، ويلاعبهم، ويلاطفهم، ويعلّمهم أمور دينهم شيئًا فشيئًا، ويعوِّدهم الطاعات والعبادات، ويربِّيهم على الصبر والجَلَد، ويربط العبادة بالسلوك، وقد اقتدى الصحابة الكرام برسول الله سلم في كل ذلك، والسُّنَّة النبوية، ومشاهِد السيرة مليئة بتلك النماذج.
استقبال رمضان
*فكيف نستعد لاستقبال رمضان وسط انشغالاتنا بما لا يفيد؟
** إن إدراك شهرِ رمضان نعمةٌ عُظمى لمن كتب الله وقدّر له ذلك، والمؤمن كيِّسٌ فَطِن ينبغي أن يستعد لاستقبال رمضان بالآتي: ـ التوبة والأوْبَة، والرجوع إلى الله؛ بالابتعاد عن المعاصي والآثام والفواحش والمنكرات، حتى يوفّقنا الله لاغتنام نفحات هذا الشهر الجليل، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69].
ـ سلامة الصدر، وتصفية القلب؛ بالابتعاد عن الأحقاد والضغائن، والتناحر والتشاحن حتى تُقبل منا الطاعات والعبادات في رمضان.
ـ تهيئة الروح والجسد لاستقبال هذا الشهر الفضيل؛ باستصحاب وفعل العبادات والطاعات التي تؤدَّى في هذا الشهر الفضيل، من صيام وقيام وقراءة قرآن، وصِلة أرحام، وبذل وعطاء وجود وسخاء…إلخ.
ـ صُحبة الأخيار، ومن يدفعوننا إلى طاعة الله، أو على الأقل يذكِّرونا بالله وينهوننا عن معاصيه، والصُّحبة تعني طول الملازمة والمصاحبة، وقد تكون معنوية كما أنّها مادية، فوسائل الاتصال الاجتماعي، والفضائيات، والانترنت وما يُبَثُّ عليه، وقراءة الكتب…إلخ كل ذلك من أنواع الصّحبة، فاحرص على حُسن اختيار صاحبك في رمضان فالصاحب كما يقولون: ساحب.
– الحذر كل الحذر من قطّاع الطرق، قطّاع طرق العبادة والطاعة في شهر رمضان الكريم، الحذر من اللهو الباطل الذي لا فائدة ولا نفع فيه، والحذر من الأشياء التي تستنزف لحظات رمضان وساعاته وأيامه الثمينة.
– الوقوف والتعرّف على فضائل شهر رمضان ونفحاته وبركاته وخيراته، فالعلم والمعرفة بفضيلة الشيء وثمرته يكون دافعًا لاغتنامه، وهذا يمكن أن نحقّقه بالرجوع إلى العلماء والاستماع لدروس المساجد أو القراءة بأنفسنا في الكتب المخصصة للحديث عن ذلك.
– وضع خطة عملية، وبرامج يومية للاستفادة من نفحات وفضائل هذا الشهر الكريم، كوضع حدٍّ للقراءة يوميًا من القرآن الكريم، والاستماع لدروس العلم، والحرص على الصلاة في المساجد، وحفظ قدر من أحاديث النبي، وتخصيص أيام لصِلة الأرحام وزيارة الأقارب والأصدقاء، وأيام أخرى لمساعدة الفقراء والمساكين…إلخ.





























