بقلم أ.د/ على عبد المنعم حسين
أستاذ المناهج وطرق تدريس اللغة العربية
بكلية التربية جامعة الزقازيق
تتقاطع العلوم الإنسانية فى كثير من مباحثها مع العديد من العلوم البينية الأخرى؛ ولعل هذا التقاطع يعود فى المقام الأول إلى حقيقة مفادها: إن العلوم الإنسانية تستفيد من كل النتائج المحصل عليها فى الحقول المعرفية الأخرى دون أن تفقد كما يعتقد البعض استقلاليتها النسبية.
وفى هذا المقال نروم وضع القارئ أما جملة من المقدمات النظرية والمنهجية التى يمكن أن تشكل منطلقا للنظر والتدبر والتأمل والفهم حول تداخل التخصصات وجوهر هذا التداخل وعليته، بعد أن استمالت العلوم البينية اهتمام الباحثين على اختلاف مشاربهم ومزاعمهم وأفكارهم.
فدراسة أى ظاهرة بمفردها من منظور واحد قد يؤدى فى كثير من الأحيان إلى أن تفرغ هذه الظاهرة من حمولتها الغنية والنابضة والحيوية ؛ حيث يكاد الباحث أن يستجلى جانبا ويغيب جوانب أخرى قد تكون أكثر أهمية وصقل، كما أنه قد يستحضر قضايا ويغيب قضايا أخرى كان من الأولى إبرازها بإرادته أو دون إرادته لقصور فهمه ووعيه وسطحية تناوله.
ومن المعروف إن الدراسات البينية هى تلك البحوث العلمية التى تجمع بين النظرة التخصصية الدقيقة والنظرة الموسوعية الشاملة ، حيث يتم تجاوز التخصصات العلمية الضيقة إلى أفق الموسوعية المعرفية ، ومن ثم يكون هدفها محاولة الجمع بين التخصص الدقيق منفردا والبحث عن نقاط التجاور والتقارب مع التخصصات الأخرى.وهذا الفكر المركب هو الذى يجعل المعرفة ذات طابع شمولى، الأمر الذى يستدعى وبالضرورة توحيد المعارف ومناهجها لا انفصالها وتشرذمها.
ولما كانت العلوم الإنسانية معنية فى المقام الأول بدراسة الإنسان وما يتعلق بأبعاده النفسية والاجتماعية والتاريخية ومحاولة فهمها وتفسيرها وضبطها فى قوانين علمية ؛ فالعلوم الإنسانية هى فى حد ذاتها علوم لا تعد علما واحدا تشمل العديد من الفروع المعرفية . ومن ثم تعنى بوصف ودراسة وتحليل وتوثيق التجربة الإنسانية من جميع جوانبها ومختلف أبعادها.
وعليه فإن العلوم الإنسانية تتصف بأنها دائمة التغيير وبالغة التعقيد. ومن هذا المنطلق فإن أى استخدام للمنهج فى العلوم الإنسانية والاجتماعية كذلك لا يجب أن يتم بمعزل عن إدراك طبيعتها الخاصة . ومما لا يدع مجالا للشك إن العلوم الإنسانية هى فى حقيقتها تعانى من الناحية المنهجية من قصور واضح تتجلى معالمه فى عدم دقتها وعدم موضوعيتها، كما أنها تعانى من كثرة الاختلافات بين المشتغلين أنفسهم حول المنهجية الملائمة لدراسة الظاهرة محل البحث والفحص. وعليه فإن الرؤية الواحدية فى دراسة العلوم الإنسانية تختزل منهج البحث فى منهج واحد فقط وهذا لا يتفق وطبيعة العلوم الإنسانية نفسها.
إن الفكر المركب والرؤية المتعانقة تدعو إلى ضرورة التكامل بين مختلف العلوم ولا سيما العلوم الإنسانية ؛ ونحن نؤمن بذلك ونؤيده لأن الفكر المركب يشكل نوعا من الإبستمولوجيا المفتوحة أو الحوارية التى تهدف إلى إيجاد مختلف الارتباطات بين العلوم بما ينعكس على هذه العلوم جميعها بالنفع العميم .
فأزمة العلوم الإنسانية فى تراشح الأفهومات لا فى تخاضب الاهتمامات؛ فالسمة الأولى تعنى الخلط الواضح فى كثير من سياقاته والتداخل الحادث فى كثير من علاقاته بين المفاهيم والرؤى الذهنية المتشكلة حولها والمتحوصلة حينها بما فى ذلك تداخل المرجعيات حول المفهوم الواحد بما يختزل ذات الإنسان وبيئته وفلسفته وحياته وتفكيره وطموحاته وماضيه وحاضره بل ومستقبله ، أما السمة الأخرى وهى المنشودة فتتمثل فى تخاضب الاهتمامات حيث يعيد كل اهتمام تشكيل نظيره ويتعانق معه معانقة المحب لا العدو حينها تتداخل الحقول المعرفية وتتوحد الدوافع الإنسانية بما يجعل الظواهر الإنسانية نتاجا لبنية مركبة عميقة لا سطحية هشة .
وخلاصة القول إن هذا المقال يبرز أهمية الدراسات البينية فى دراسة العلوم الإنسانية ؛ لما أثبتته من مقدرة فائقة على تجاوز العديد من الإشكاليات العالقة فى ميادين العلم أحادية التخصص .
وعلى الله التكلان.
.





























