تحدّثنا في المقال الماضي عن العقل السطحي، وفي هذا المقال نتناول العقل العميق، وهو العميق الذي ينظر إلى الأحداث والأشخاص والأحوال والوقائع فيعرفها ويدركها، لكنه لا ينشغل بها، ولا يتوقف عندها، ولا يكتفي بسرْدها والحديث عنها، بل يرتقي إلى تأمُّل ما وراءها من قضايا، وما يتسبّب فيها من أفكار.
وكلّما طرأت عليه أحداث الحياة بضجيجها وصَخَبِها وزحامها، انصرف عن ذلك كلّه إلى ما يحرّك كل ذلك من عوامل، فتُجرَّد في نظره كل الأحداث من أثوابها وزخارفها، حتى يرى بوضوح من أين تبدأ وتنشأ، وإلى أين تمضي وتؤول؟
فهو يرى كل أحداث الحياة من منصة عالية، تسمو فوق أحداثها الصاخبة المتلاحقة اللاهثة، فلا ينجرف في جزئياتها، ولا تغمره بأمواجها، بل يراها من أعلى، من منظور (عين الطائر) كما يسمّيه هواة التصوير.
فكأنه طائر حرّ، حلَّق فوق كل الأحداث، يراها من أعلى، فإذا هي أمامه واضحة، من بدايتها إلى نهايتها، يعرف منشأها ومآلها، فيحكُم على كل حدث وعلى كل شيء حُكماً سديداً مستوعباً.
فهذا العقل العميق هو الذي يصلح للقيادة وللمهام المختلفة، وهو الذي يعرف كيف يفكّر، وهو الذي ينشأ على يده البحث العلمي المنهجي، وهو الذي ينتج الاكتشافات والاختراعات، وهو الذي يعرف الناس منه الحِكمة.
والعقل العميق هو العقل الذي لا ينقاد للسطحيّات ولا تحكمه الانفعالات، بل يمتلك القُدرة على الرؤية الشاملة، وترتيب الأولويات، واتخاذ القرار على أساس الفهم لا الاندفاع، وهو العقل الذي يميّز بين الفكرة وأثرها، وبين الشعار ونتيجته، وبين ما يقال وما يجب أن يقال، وعلى يده ينشأ البحث العلمي المنهجي القائم على السؤال، والتحقّق، والنَّقد، والمراجعة، لا على التلقين والتكرار، فيتحوّل العِلم من محفوظات جامدة إلى أداة لاكتشاف الواقع وفهم قوانينه.
وبهذا كله يعرف الناس الحكمة، لا ككلام يُقال، بل كسلوك رشيد، فيغدو هذا العقل مصدرًا للاطمئنان، ومرجعًا للفهم، وقائدًا يُحتذَى.





























