شهر رمضان الكريم أعظم شهر في السّنة، فيه نزل القرآن الكريم، وفيه ليلة بألف شهر وهي ليلة القدر، فُرض فيه الصيام علي المسلمين، وجعل الله صيامه أحد أركان الإسلام.
وصيام رمضان يعني الامتناع عن الأكل والشرب من أذان الفجر وحتي أذان المغرب، وهناك سؤال مهم يطرح نفسه: هل الكائنات الحيّة الأخري التي خلقها الله عزَّ وجلَّ تصوم مثل الإنسان في رمضان؟ والحقيقة أنه لا يوجد حيوان يصوم رمضان مثل البشر، وكل ما يُنشر عن ذلك ليس إلا اجتهادات، ورغم ذلك تشير بعض الدراسات المبنية علي ملاحظات سلوكية للحيوانات إلي أن هناك أنواعا منها تفسَّر سلوكياتها مَجازًا كنوع من الصيام .
ومن أشهر الحيوانات التي تشبه صيامها صيام الإنسان الأسد، فكيف يصوم؟ وما الحكمة من صيامه؟ وما مدي استفادة الإنسان من هذا الكائن؟
في اللغة العربية الأسد جمعه أسود وأُسْد وآسد وآساد، والأنثى أسدة ويقال لبؤة ولبوة، وللأسد العديد من الأسماء في اللغة العربية. قال ابن خالويه: للأسد خمسمائة اسم وصفة، وزاد عليه علي بن قاسم بن جعفر اللغوي مائة وثلاثين اسماً فمن أشهرها: أسامة والجخدب والحارث وحيدرة والدواس والرئبال وزفر والسبع والصعب والضرغام والضيغم والطيثار والعنبس والغضنفر والفرافصة والقسورة وكهمس والليث والمتهيب والورد والهزبر.
وكثرة أسماء الأسد تدل على شرفه، ومن كُناه: أبو الأبطال وأبو حمص وأبو الأخياف وأبو الزعفران وأبو شبل وأبو العباس وأبو الحارث. ويأتي اسم سبع من السّباع الذي يعني صاحب القوة .
والأسد أحد السنوريات الأربعة الكبيرة المنتمية لجنس النمر، (والسنوريات فصيلة من الثدييات آكلة اللحوم) وهو يُعد ثاني أكبر السنوريات في العالم بعد الببر، حيث يفوق وزن الذكور الكبيرة منه 250 كيلوجراما، وكان موطن الأسود شاسعا جدا في السابق، حيث كانت تتواجد في شمال إفريقيا، الشرق الأوسط، وآسيا الغربية، حيث انقرضت منذ بضعة قرون فقط، وحتى بداية العصر الحديث منذ حوالي 10،000 سنة، كانت الأسود تُعتبر أكثر ثدييات اليابسة الكبرى انتشارا بعد الإنسان، حيث كانت توجد في معظم أنحاء إفريقيا، والكثير من أنحاء أوراسيا من أوروبا الغربية وصولا إلى الهند، وفي الأمريكيتين، من يوكون حتى البيرو .
ويختلف أمد حياة الأسود باختلاف جنسها، فاللبوات التي تعيش في مناطق محميّة آمنة قد تصل لما بين 12 و14 عاما، بحال تخطّت مخاطر ومشقات حياة الأشبال، بينما لا تتخطى الذكور 8 سنوات من حياتها إلا فيما ندر .
ويعيش الأسد في مجموعات تسمّى زمراً، وتتألّف الزمرة من الإناث ذوات القربى وأشبالها بالإضافة إلى ذكر أو ذكرين (أخوين في الغالب) وتقتضي مهمتهما إخصاب الإناث وحماية الزمرة. وكان هناك اعتقاد أن الإناث وحدها هي التي تقوم بعمليّة الصيد، لكن الحقيقة أن الذكور تشارك في الصيد أيضاً، فجميع الذكور العازبة التي لم تسيطر على زمرة خاصة بها تصطاد بوتيرةٍ منتظمة، وحتى الذكور المسيطرة تبقى تشارك في الصيد أحياناً إلا أن نسبة مشاركتها تختلف حسب شكل الأرض التي تقطنها وحسب نوعيّة الطرائد المتوافرة. فيبدو أن الذكور في المناطق المحدودة تصطاد لنفسها بشكلٍ أكبر من الذكور القاطنة في السهول المفتوحة .
أما عن صوم الأسد فالغريب أن صيامه عن الطعام يصادف شهر رمضان، وبملاحظة سلوكياته وجد أن صيامه يشبه صيام الإنسان، فهو يصوم يوما كاملا كل أسبوع يمتنع فيه عن الأكل والشرب للتخلص من السموم ومن حمض الفوليك والأحماض الأخري التي تتراكم بجسده لأنه حيوان مفترس يتغذى على اللحوم .
وقد ذُكر الأسد مرة واحدة فقط في القرآن بلفظ “قَسْوَرَة”، وذلك في سورة المدّثّر في قوله تعالى: {فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 51]. والمقصود بالقسورة هنا هو الأسد الشديد الذي يهرب منه حُمْر الوحش، وقد وردت كدلالة على فرار الكفَّار من الاستماع للقرآن!
أما عن الإعجاز العلمي في خلق الأسد، المُلقّب بـ”قسورة”، فيعد خلْق الأسد شاهدا علي دقة الخلق الإلهي فتظهر في تكوينه البنيوي والسلوكي الذي يضمن توازن الطبيعة والبيئة، وتزويده بكل المقومات التي تجعله ملكًا في بيئته وقادرا علي أداء دوره الحيوي في التوازن الطبيعي، حيث يتميز بتركيبة فسيولوجية قوية، تمكّنه من الافتراس للتحكّم في تزايد أعداد الحيوانات الأخرى، مما يمنع التصحُّر ويحافظ على النظام البيئي، كما تعمل الحيوانات المفترسة كالأسود على إبقاء أعداد الحيوانات تحت السيطرة، مما يمنع تكاثرها المفرط الذي قد يضر البيئة .
وشبَّه النبي- صلى الله عليه وسلم- سرعة انتقال مرض الجذام وسرعة التهام الأسد لفريسته، في إشارة إلى قوة الافتراس والتهام الفريسة بسرعة.
بقي أن نعرف أن الأسود تعيش الآن في معظم الجمهوريات بإفريقيا الوسطى حيث يظهر أن أعدادها تتناقص باستمرار، بعد أن أظهرت إحدى البحوث تراجع أعدادها من حوالي 100،000 في أوائل التسعينيات من القرن العشرين إلى حوالي 16 ألف إلى 30،000 أسد برّي حالياً، ولوحظ أيضا أن ذكور الأسود تمضي معظم حياتها خاملة .





























