إعداد: أحمد شعبان
لم يكن الإمام ابن قيم الجوزية عالمًا تقليديًا يقف عند حدود النقل أو يكتفي بترديد أقوال من سبقوه، بل كان عقلًا ناقدًا وروحًا واعية سعت إلى إعادة الإنسان إلى جوهر الدين ومعناه العميق. جمع بين الفقه والعقيدة، وبين السلوك والتزكية، فخرجت مؤلفاته نابضة بالحياة، قادرة على مخاطبة العقل والقلب معًا. ومن هنا، ظل اسمه حاضرًا في مسيرة الفكر الإسلامي بوصفه أحد أبرز علماء القرن الثامن الهجري وأكثرهم تأثيرًا.
يمثّل الإمام ابن قيم الجوزية نموذجًا فريدًا للعالِم الربّاني الذي جمع بين عمق العلم وصفاء الروح، فاستحق أن يبقى اسمه حيًا في وجدان الأمّة. لم تكن كتبه مجرد مؤلّفات للقراءة، بل مشاريع إصلاح وتربية، لا تزال قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر بلغته وهمومه. وبعد مرور قرون على رحيله، يظل ابن القيم شاهدًا على أن العلم الصادق لا يشيخ، وأن الكلمة المخلصة تبقى أثرًا ممتدًا في حياة الأمم.
المولد والبيئة الأولى
وُلد الإمام محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، المعروف بابن قيم الجوزية، سنة 691 هـ في بلاد الشام، ونشأ في بيئة علمية محافظة، كان لها بالغ الأثر في تكوينه المبكر. ارتبط اسمه بمدرسة الجوزية بدمشق، حيث كان والده قائمًا على شؤونها، فشبَّ الصبي في أجواء العلم والدرس، وبين حلقات الفقه والحديث، ما رسّخ في نفسه حب المعرفة والالتزام بالمنهج الشرعي منذ الصغر.
وقد حفظ القرآن في سنٍّ مبكّرة، وبدأ يتلقّى علوم العربية والفقه والحديث على يد عدد من علماء دمشق، فكان واضحًا منذ سنواته الأولى أن أمامه مستقبلًا علميًا واعدًا.
رحلة العلم
كان ابن القيم شديد الحرص على الفهم العميق والمقارنة والتمحيص ولم يكتف بالتلقي فقط. توسع في دراسة الفقه الحنبلي، واطّلع على المذاهب الأخرى، وتعمق في علوم التفسير والحديث وأصول الفقه واللغة، وهو ما أكسبه قدرة مميزة على الربط بين النصوص الشرعية ومقاصدها.
وشكّلت ملازمته للإمام شيخ الإسلام ابن تيمية نقطة تحوّل حاسمة في مسيرته العلمية؛ إذ لازمه سنوات طويلة، وتأثر بمنهجه القائم على العودة إلى الكتاب والسنّة، ونبذ التعصب، وإعمال العقل في فهم النص. ولم تكن هذه الملازمة مجرد علاقة تلميذ بشيخه، بل شراكة فكرية انعكست بوضوح على كتابات ابن القيم، التي اتّسمت بالجرأة العلمية والعمق التحليلي.
العلم بين النظر والعمل
ما يميّز ابن قيم الجوزية عن كثير من علماء عصره أنه لم يفصل بين العلم والسلوك، فكان يرى أن المعرفة الحقيقية هي التي تُثمر عملًا وتزكية للنفس. لذلك، جاءت كتبه مشبَّعة بالبُعد التربوي، تعالج أمراض القلوب، وتوجّه الإنسان إلى تصحيح علاقته بربِّه وبذاته وبالناس.
وقد عُرف عنه الزهد، وكثرة العبادة، وحُسن الخُلق، وهو ما منح كلماته مصداقية وتأثيرًا كبيرين، إذ لم يكن ينظّر من برج عاجي، بل يكتب من واقع تجربة روحية وعلمية متكاملة.
تراثٌ حيٌّ متجدّدٌ
خلَّف ابن قيم الجوزية عددًا كبيرًا من المؤلّفات التي تنوعت موضوعاتها وتكاملت في أهدافها. ومن أشهرها كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد»، الذي قدّم فيه السيرة النبوية بأسلوب عملي يربط بين الهدي النبوي ومقتضيات الحياة اليومية.
وفي كتاب «الداء والدواء»، تناول قضايا النفس البشرية، مبينًا أثر الذنوب والمعاصي في حياة الإنسان، وموضحًا سبل العلاج الإيماني والسلوكي. أما كتاب «مدارج السالكين»، فيُعد من أعمق ما كُتب في علم السلوك، حيث رسم فيه خريطة واضحة لمنازل السير إلى الله.
كما ترك مؤلفات علمية رصينة مثل «أعلام الموقعين» في أصول الفقه، و«مفتاح دار السعادة» في بناء الإنسان فكريًا وأخلاقيًا، إلى جانب كتب أخرى جعلت منه مرجعًا في الفقه والتربية معًا.
الفكر الإسلامي
امتد تأثير ابن القيم إلى ما بعد عصره بقرون، إذ أصبحت كتبه مقرَّرة في حلقات العِلم، ومراجع أساسية لطلبة الشريعة والدعاة والمربين. وقد أسهمت كتاباته في ترسيخ منهج وسطي متوازن، يرفض الغلو والتفريط، ويعيد الاعتبار لمقاصد الشريعة وروحها.
كما كان له دور بارز في مواجهة الانحرافات العقدية والفكرية في عصره، بأسلوب علمي هادئ، يجمع بين الحجّة والدليل، بعيدًا عن التعصب أو الانفعال.





























