خلال شهر رمضان المبارك، تتعانق الأرواح مع آيات الذكر الحكيم، ويزداد شغف عشَّاق التلاوة التي تحمل في طيّاتها جمال الصوت وروحانية المعنى، وقد كان فن المقامات الصوتية أحد أهم أسرار تأثير التلاوة في النفوس، فلم يكن المقام مجرد نغمة موسيقية، بل وسيلة لإيصال المعنى إلى القلب قبل الأُذن، وترجمة لمشاعر النصّ إلى لغة وجدانية يفهمها كل مستمع مهما اختلفت ثقافته.
وجمع القرّاء المصريون أكثر من غيرهم بين العلم بالمقامات والقُدرة على توظيفها بما يتناسب مع المعنى القرآنين حتى أصبح لكل مقامٍ دوره الخاص.
في هذه الحلقات الرمضانية، نأخذ قارئ “عقيدتي” في رحلة عبر أهم المقامات المستخدَمة في التلاوة، نستعرض أهميتها الروحية، ومميّزاتها الفنية، ونقف عند أعلام القرّاء الذين أبدعوا فيها، لنكشف كيف يتحوّل الصوت البشَري إلى جسر يصل بين الأرض والسماء.
مقام البيات
ليس مجرد نغمة موسيقية، بل هو حالة وجدانية، تفتح أبواب القلب قبل أن يفتح أبواب السمع، وبدونه لا تكتمل الرحلة الروحانية، حيث يلتقي الفن بالروح، والموسيقى بالمعنى، والسَّكينة بالخشوع.
هذا هو مقام البيات. مقام الطمأنينة، الذي يضع المستمع في حضرة كلام الله منذ اللحظة الأولى، وهو مقام سهل ممتنع، هادئ كالبحر العميق، وبه تبدأ القراءة وبه تنتهي.
ويسمّی هذا المقام بأمّ النّغمات لاتّساعه ووفرة فروعه المعروفة لدی القرّاء والمنشدين والمبتهلين، (بيات اللامي والحسينيّ والشّوري والمحيّر وبيات النّوا).
والبيات مقام شرقي أصيل، يتميّز بانتقالاته السلسة التي تمنح القارئ حرية في الأداء، فرغم أن تركيبته الموسيقية بسيطة، إلا أنها عميقة، تسمح للقارئ بالتعبير عن مختلف الحالات النفسية، هذه المرونة جعلت هذا المقان أساسًا في التلاوة القرآنية، حتى صار يُعرف بأنه “مقام البداية”.
فهو مقام لا يحتاج إلى مهارة معقّدة، مما يجعله مناسبًا للقرّاء المبتدئين والمحترفين على حد سواء، كما يعكس مشاعر مختلفة، مما يمنحه ثراءً فنيًا، ويسمح بالانتقال إلى مقامات أخرى مثل الرَّست أو الصَبَا بسلاسة، مما يجعله نقطة انطلاق مثالي، كما أنه مقام مألوف في الغناء والتواشيح، مما يجعله محبوبًا لدى المستمعين.
بدايات التلاوة
يُستخدم البيات عادة في بدايات التلاوة، لأنه يهيّئ النفوس ويضعها في حالة خشوع. حين يبدأ القارئ بالبَيَات، يشعر المستمع أنه دخل في حضرة كلام الله بطمأنينة وسكينة، كما يوظف في آيات الرحمة والقصص، حيث يحتاج القارئ إلى مقام يوازن بين البساطة والعمق. في المحافل القرآنية، حين يصدح صوت القارئ بالبيات، يلتفت الناس تلقائيًا، وكأنهم يستجيبون لنداء داخلي يدعوهم إلى الإصغاء.
وحين يبدأ القارئ بالبيات، يشعر المستمع بالسكينة، وكأن قلبه استجاب مباشرة للنغمة. هذه الحالة النفسية تجعل البيات مقامًا مثاليًا لآيات الرحمة والدعاء، حيث يحتاج المستمع إلى الاطمئنان والرجاء. في المقابل، يمكن للبيات أن يعكس الحزن إذا وظف بطريقة معينة، مما يجعله مقامًا متعدد الأبعاد.
بين الفن والروح
البيات ليس مجرد فن موسيقي، بل هو وسيلة لإيصال المعنى القرآني إلى القلب، حين يوظّف القارئ البيات في آيات الرحمة، يشعر المستمع بالاطمئنان، وحين يوظّفه في آيات القصص، يعيش المستمع تفاصيل القصة وكأنه يراها، هذه القدرة على التعبير جعلت البيات مقامًا فنيًا وروحيًا في آن واحد.
نجوم التلاوة
وقد اعتمد جميع القراء في مصر مقام البيات كأساس ليبدأوا به، ثم ينتقلون إلى مقامات أخرى بحسب المعنى القرآني، حتى صار البيات رمزًا للخشوع والسَّكينة، فربَط المستمعون بين صوت القارئ بالبيات وبين حالة روحانية خاصة، وحين يصدح صوت القارئ بالبيات في صلاة التراويح، يشعر الناس أنهم في حضرة روحانية لا مثيل لها.
وقد أبدع عمالقة التلاوة في استخدام مقام البيات وعلى رأسهم الشيخ محمد رفعت، صوت من السماء، والذي كان يبدأ تلاواته بالبيات فيخشع له المستمعون، وهذا الشيخ محمود خليل الحصري، الذي هو رسّخ البيات في مدرسة التلاوة المصرية، وجعل منه قاعدة أساسية، أما لشيخ أحمد نعينع، فقد حافظ على تقاليد البيات في العصر الحديث، وأثبت أن هذا المقام لا يزال حيًّا في المدرسة المصرية.
وحتى الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، الذي ذاعت شُهرته بمقامي الصَّبَا والحجاز، إلا أنه كان يوظّف البيات ببراعة في بدايات التلاوة، وكذلك أبدع الشيخ مصطفى إسماعيل في الانتقال من البيات إلى مقامات أخرى، مما جعل تلاواته مدرسة قائمة بذاتها.





























